فهرس الكتاب

الصفحة 13491 من 27345

تفسير سورة النجم

الجمعة 22 صفر 1397 / 11 شباط 1977

( 4 ـ 5 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

لعل اليوم نستطيع أن ننهي الكلام عن سورة النجم ، ولولا أن مشكلة من المشكلات استغرقت جانبًا من هذه الأحاديث لكان منظورًا للكلام على السورة أن ينجز قبل اليوم ، ولكننا اغتنمنا الفرصة ونحن عازمون على أن لا نفرط إن شاء الله تعالى في فرص من هذا القبيل لكي نتعاون على الوصول إلى فهم أفضل لكتاب الله تعالى .

كان مما شغلنا به أنفسنا في الجمعة الماضية عود على فاتحة السورة الكريمة ، ولقد صرفنا في هذا مجهودًا ما أدري هل وُفقنا فيه أم لم نوفق ؟ لكنه على أي حال هو الذي استيسر من القول ومن الفهم جميعًا .

لقد كنا تحدثنا قبل الجمعة الماضية عن فاتحة السورة ، ثم أدرنا الحديث عن الفاتحة بالذات من زاوية جديدة وفي ضوء جديد ، وغرضنا الأساسي أن نلفت قارئ القرآن إلى حقيقة جوهرية وهي أن هذه السورة الذي يضعها بين يديه شيء كامل له صفات وخصائص الكائن الحي الذي يرفض البتر والتجزئة ، وإذا أُريد إليه أن يُنظر إليه بصحة فينبغي أن يُنظر إليه في كليته ، ومن الخطأ بل من الخطل لقارئ القرآن أن لا يحيط بعمومات القرآن ، لأن ذلك سوف يربكه لا محالة ، وسوف يحجب عنه كثيرًا مما ينبغي أن لا يحجب عن قارئ القرآن .

لا أذكر فيما قرأت حول سورة النجم حديثًا أبعد المنحى الذي أخذنا به في الجمعة الماضية وإنما جرّنا إلى هذا مزيد من التدقيق في السورة ، وبكل صدق وأمانة أقول لكم إنني حين شرعت أُرتب في ذهني خصائص السورة الكريمة في البداية وأخطط للحديث عنها لم يكن يخطر في بالي أي شيء من هذا الذي قلته في الجمعة الماضية . وأحب أن أغتنم هذه الفرصة لأشير إلى شيء طال حوله التساؤل وكثرت علي فيه الملام ، للأسف حينما تكون الأمة بمجموعها على درجة ليست سارة من الرقي العقلي ومن النضج تستحسن أي شيء ، ولقد يعلم الله أنني أقل الناس اكتراثًا واحتفاءً بهذا الذي أقول ، ولكني أفاجأ دائمًا هنا وفي كل مكان من يقول لي: لماذا لا تدوّن هذه الأفكار ولا تكتبها إنها حق الناس عليك . مرة أخرى أستدعي إلى نفسي شعور الأسف ، إن هذا ليس شيئًا يستحق العناية ولا شيئًا يستحق الاهتمام ، ولقد مضى الناس الذين يحق لهم أن يقولوا في القرآن ، إن القول في القرآن شديد ، وإنه لا يتنطّح له إلا من ضرب الله عليه الشقاء وسوء القول ، ولولا أننا في أمة وفي زمن كهذا الذي تعرفون ما كان لهذا الذي نقوله .

كان الناس في الماضي حينما كانت نفوسهم نقية ونظيفة وكان التوجه إلى الله صادقًا أصيلًا وكانت المعرفة بحقائق الشريعة موفورة وكانت الرغبة في الحق هي المحور الذي يدور عليه الناس حينما كان الناس بهذا الشكل ، كان القول في القرآن ميسرًا مذللًا مهيأة أسبابه ، ولا تستغربوا فالله جل وعلا يقول ( ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه ) ويقول أيضًا ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) فالإنسان حينما يكون على درجة معينة من الصلة بالله جل وعلا فالله جل وعلا يفتح أمامه مغاليق الأمور وينير له معميات السبل ويكشف له عن أبواب من العلم لم تكن تخطر له ببال ، ونحن لسنا هكذا ، لا تقاة ولا ورعًا ولا علمًا ولا إحاطة ولا تجردًا من حظوظ النفس ورغباتها ، مع هذا فبالمعاناة والصبر وبمداومة البحث والتفكير تنقذف لنا بين الآن والأخرى أفكار ، ربما يجدها الناس جيدة ولكن تأكد أنني أفقد اهتمامي بها لمجرد أن أقولها ، ولو أنني كتبتها لفقدت الثقة بها لمجرد أن أرمي القلم من يدي ، إنني أُلاحظ وأنا أدرس معكم القرآن ووقائع السيرة أنه في مسار الطريق تتكشف أمور لو لم نكن قلنا شيئًا في البداية ثم رجعنا إليه نعاود النظر فيه ونعيد القول ثم نعود إليه مرة أخرى ومرات ما خرج معنا هذا الشيء الذي يجده بعض الناس ثميناًُ ، كيف أستطيع أن أُجاذف في أمر أجده أشق الأمور على الإنسان ؟ كيف أستطيع أن أتعجّل تدوين كلام أن أدرى الناس أو من أدراهم بأنه حينما يوضع بين يدي الأجيال يُقرأ مصحوبًا بقداسة الكلمة المكتوبة ما الذي سيتركه من انطباعات ومن آثار ومن نتائج في نفس قراء نعلمهم وقراء لا نعلمهم الله أعلم بهم ، ثقوا يا إخوة بكل أمانة أنني كلما تصورت حالة من هذا القبيل شعرت أني أنسحب ولا أستطيع أن أتحمل هذه المسؤولية ، إن الأمر كبير .

خذي عني وحسبك ذاك مني على ما فيّ من عوج وأمتِ

ولولا أن الزمان منقلب فهذا المكان ليس لي ، بصدق هذا المكان ليس لي لكن زماننا منكوس ، زماننا معكوس . خذوا عنا يا إخوة وجنبونا الملامة وجنبونا الطلبات ، نحن دونما في أنفسكم بكثير ، ولكن الله جل وعلا قضى علينا أن نقف موقفًا لا نريده ، ولوددت والله لو أن بعضكم كفاني هذه المواقف ، وأني وادع مطمئن خالي الذهن من كل هذا الذي يشغله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت