فهرس الكتاب

الصفحة 25255 من 27345

قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [2] وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2ـ3] .

في سبب نزول هذه الآية أن رجلًا يقال له: عوف بن مالك الأشجعي كان له ابن وإن المشركين أسروه، فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيشكوا إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته، فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمره بالصبر والإكثار من: لا حول ولا قوة إلا بالله ويقول له:ـ 'إن الله سيجعل لك فرجًا'.

فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا أن انفلت ابنه من أيدي العدو فمر بإبل من إبل العدو فاستاقها فجاء بها إلى أبيه فنزلت الآية.

ُترى ماذا كان يحتمل في ذهن هذا الأب وهو يتوجه طالبًا الحل من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن الاحتمالات التي ترد في عقولنا كإجابات لهذا السؤال لا تتجاوز الآتي:

1ـ أن يخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بقرب مسير جيش إلى العدو فيتفاءل بقرب فلك أسر ابنه.

2ـ أن يرسل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى العدو طالبًا فكاك أسر الابن مقابل فدية تدفع حين يستنقذه من أيدي المشركين.

3ـ أن يرفع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يديه بالدعاء بفك أسر ولدهما.

4ـ أن يخبره الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن حال ابنه الآن تفصيلًا بكشف الله تعالى له فيطمئن عليه.

5ـ أن يأمره الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسفر أو ما شابه ليحاول استنقاذ ولده بنفسه. ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يفعل شيئًا من ذلك، بل إنه حتى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يرفع يديه بالدعاء لفك اسر الابن [على الأقل ليس على مرأى من الأب] .

بل وجه الأب إلى أن يكثر هو والأم من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقط.

تريد أن يفك أسر ابنك أكثر من قول: 'لا حول ولا قوة إلا بالله'.

وهنا يستوقفنا سؤال:

ألم يكن بوسع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ القيام بواحد من الأمور التي جاء الرجل راجيًا في ذهنه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بها؟

بلى كان بوسعه إخباره عن جيش أو سرية تقوم قريبًا لفك أسر مسلم، أن يرسل الفدية لاستنقاذه، وأن يرفع يديه بالدعاء لفك أسره وهو الذي إذا دعا أجابه الله تعالى، لكن كلا لم يفعل صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك. لم؟

لقد أتى الرجل طالبًا الحل عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكن لفت انتباهه إلى الحل الذي يتسم بسمات:

الأولى: الحل عندك.

الثانية: الحل في حسن ظنك ورجائك في الله تعالى.

الثالثة: الحل له شق عملي وهو الالتزام بذكر معين 'لا حول ولا قوة إلا بالله'.

الرابعة: الحل يشترط الإكثار من الذكر لا مجرد قوله.

ما علاقة هذا الحل بفك أسر الابن من أيدي الأعداء؟

العلاقة لا شيء، وكل شيء.

لا شيء للباحث عن حل مادي ملموس تراه الأعين

وكل شيء لصاحب اليقين بالله الواثق بعلمه وقدرته والفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض.

أحدهما حدوده الأرض وما تحمل، والآخر مطلق الحدود، فلا راد لأمر الله، ولا معطي لما يمنع، ولا مانع لما يعطي سبحانه.

ترى كيف كان تفاعل الرجل صاحب المشكلة مع هذا الحل؟

لقد كان بوسعه أن يقترح على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حلًا من الحلول الدائرة في ذهنه، كان بوسعه أن يطلب منه أن يدعو لولده، لكنه أخذ الحل وانصرف ليس استغناءً عن دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكن يقينًا وثقة وقناعة بالحل.

ويتضح ذلك جليًا في رد فعله وكيفية تفاعله حيث أوصى زوجه باتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإكثار من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

بل والأعجب من ذلك استمرارها على الإكثار من هذا الذكر وهما على يقين أنه الحل لمدة أيام حتى قدم عليهم الابن، وقد ساق إبلًا كثيرة. حرية ومال، وهذا أعظم مما كان يطلب الأبوان الابن سليم معافى بفضل الله تعالى، ويرزقه الله نعمًا يسوقها في طريقه إلى المدينة.

والأعجب من العجب كيفية فراره، إذ يحكى كيف انفك قيده الحديد فجأة، وحرسه حوله، وكم حاولوا مرات عديدة من إحكامه عليه ثم يعود لينفك، فأطلقوا سراحه.

هم الذين أسروه وهم الذين أطلقوا سراحه، هكذا يكون الحل الرباني.

{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} رسالة يبعثها الله تعالى إلى كل مؤمن به' قل إن الأمر كله لله'.

من أسره أطلقه وكله بأمر رب العالمين، كأني بالموقف من أوله إلى آخره امتحان يقين الأب والأم في الله تعالى.

عزيزي الأب .. عزيزتي الأم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت