في أول سورة في المصحف بعد الفاتحة: { ألم [1] ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ..} [البقرة:2] هذه أولى صفاتهم وأعظم صفاتهم، وإنك لتلمح مواقف الاختبار والامتحان التي يتعرض لها العبد في الدنيا فترى مدارها كلها على الإيمان بغيب الله تعالى، فعند الأذى تصبر فالعاقبة هناك ونعمة, فاحذر أن تكون فتنة هناك فاشكر، وهكذا إنما يمتحن الله فينا نحن معاشر الآباء والأمهات إيماننا بالغيب في أبنائنا، وتأمل مصيبة فقد الواحد لابنه كيف يدور الحوار الرباني مع الملائكة:ـ
'قبضتم ولد عبدي .. قبضتم ثمرة فؤاده.. فيقولون: نعم يا رب. فيقول: وما فعل عبدي؟ 'وهو أعلم سبحانه: 'فيقولون: أي رب حمدك واسترجع [آمن بالغيب فرأى موعود الله تعالى] فيقول الله تعالى: 'ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد'.
وسيلقاه يوم القيامة ويكون سببًا في دخول هذا الأب والأم الجنة، فخلود بلا موت، وكأني بهذا الموقف في الدنيا مشهد امتحان لذلك المقام.
وهكذا يمتحن الله فينا إيماننا بالغيب وثقتنا به سبحانه ـ ويقيننا بعد له ورحمته وفضله وكرمه.
* ومشهد آخر نرقبه من بعيد مشهد الأب المكلوم بفقد ولده الحبيب يوسف عليه السلام ـ واستشعاره لكيد إخوته له، لكنه يزخر قلبه بصرخات اليقين لله وبث الشكوى إليه وحده سبحانه {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} .
يعلم من الله تعالى علمه وفضله وكرمه وبره بعباده وإحسانه غليهم ورحمته بهم، ولا يخيب الله ظنه فيكرمه و ويتفضل عليه ويبر به ويحسن إليه ويرحمه {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} .
نعم لقد علمت ما لا يعلمون من الله تعالى فرزقك الله الصبر والدعاء والثبات والطمأنينة إلى ما تعلم من الله {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} وعبرت الغمة وزالت بفضل الله تعالى وحده، ووفقت في الامتحان بعلمك من الله تعالى ما لا يعلمه غيرك وثقتك في رحمته وفضله وكرمه.
ومن نظر إلى شرائع الإسلام رأى الله تعالى يعامل العباد على قدر يقينهم بالغيب، وتأمل مثلًا الحل لمن أصابته ضائقة مالية ستجده من أعجب ما يكون، فمن ضاقت عليه الدنيا وفقد المال الحل الرباني له هو الصدقة والإنفاق، قال تعالى في الحديث القدسي: 'يا بن آدم أنفق ينفق عليك' وفي رواية 'أنفق أُنفق عليك'.
وينادي الملك كل صباح 'اللهم أعط منفقًا خلفًا، اللهم أعط ممسكًا تلفًا'.
إنه تصحيح التصور، لكن هذا الحل مستحيل وسهل ميسر:
مستحيل لأهل المادة والحلول العلمية الملموسة بالأيدي المنظورة بالعين.
وسهل ميسر لأهل اليقين بالله تعالى الذين يعلمون منه تعالى ما لا يعلمه الآخرون. والأمثلة، على ذلك كثيرة متواترة.
عزيزي الأب .. عزيزتي الأم:
الحلول سهلة ميسرة موجودة تستلزم من اليقين يقين يعقوب عليه السلام، وثبات أم موسى {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فألقته بيقينها، فحقق الله موعده بفضل ثقتها. فأقبل على الحل الشرعي بيقين وثقة تنل فوق ما ترجو وأعظم مما تأمل. {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} .