فهرس الكتاب

الصفحة 3152 من 27345

ولقد بلغ من حرصهم على الطَّلب الشيء العجيب , حتى هجروا الأوطان وفارقوا الأهل والخلان في طَلِب العلم .

قَالَ ابن عباس: ذَلَلْتُ طَالبًا فعززت مَطْلُوبًا . ( 1)

وقال أيضًا: مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ قَط حَدِيثًا فاستفهمته , فلقد كنت آتي باب أُبي بن كعب وهو نائم , فأقيل على بابه , ولو علم بمكاني لأحب أن يُوقَظَ لي ؛ لمكاني من رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولكني أكره أن أمله . (2 )

قَالَ يُونُسُ بْنُ يزيد: قَالَ لي ابن شهاب: يا يونس ! لا تكابر العِلْم , فَإِنَّ العلم أودية , فأيها أخذت فيه قَطَعَ بِكَ قَبْلَ أَنْ تبلغه , ولكن خُذْهُ مَعَ الأيامِ واللَّيالي , ولا تأخذ العِلْمَ جُمْلَة ؛ فَإِنَّ مَنْ رَامَ أَخْذَهُ جُمْلَة ذهب عنه جُمْلَة , ولَكِنَّ الشَّيءَ بَعْدَ الشَّيءِ مَعَ اللَّيالِي وَالأَيَامِ . (3 )

وقام رجل إلى ابن المبارك فقال: يا أبا عبد الرحمن في أَيّ شيء أجعل فَضْلَ يومي في تعلُّمِ القرآن , أو في طلب العلم , فقال: هل تقرأ من القرآن ما تُقِيمُ به صلاتك , قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَاجْعَلْهُ فِي طَلَبِ العِلْمِ الَّذي يُعْرَفُ بِهِ القُرْآن. (4 )

وعن فَرْقد إمام مسجد البَصْرة قَالَ: دَخَلُوا عَلَى سُفْيانَ الثَّوري في مَرَضِهِ الَّذِي مَات فِيه ؛ فَحدَّثه رَجُلٌ بِحَدِيثٍ فَأَعْجَبَهُ ؛ فَضَرَبَ يَدَهُ إِلى تَحْتَ فِرَاشِهِ فَأَخْرَجَ أَلْوَاحًا لَهُ فَكَتَبَ ذَلِكَ الحدِيث . فقالوا له: على هذه الحال منك ؟ فقال: إِنَّهُ حَسَنٌ , فَقَد سَمِعْتُ حَسنًا , وَإِنْ مِتُّ فَقَدْ كَتَبْتُ حَسنًا . (5 )

ذكر القرشي في ( 6) ترجمة إبراهيم بن الجراح التميمي مولاهم -تلميذ أبي يوسف وآخر من روى عنه- قَالَ: أتيته أَعُوده ، فوجدته مغمًى عليه ، فلمّا أفاق قَالَ لي: يا إبراهيم ! أيُّهما أَفْضَلُ في رَمْي الْجِمَارِ ، أَنْ يَرْميَها الرَّجُلُ رَاجِلًا أو رَاكبًا؟

فقلت: راكبًا. فقال: أخطأتَ!.

قلتُ: ماشيًا. قَالَ: أخطأتَ!.

قلت: قُلْ فِيها -يَرْضى الله عنك-.

قَالَ: أما ما يوقف عنده للدُّعاء ، فالأفضل أن يرميه راجلًا ، وأما ما كان لا يوقف عنده ، فالأفضل أن يرميه راكبًا (7 ) .

قَالَ أبو حاتم: قَالَ لي أبو زرعة: ما رأيتُ أَحْرَصَ على طَلَبِ الحديث منك يا أبا حاتم ! فقلت: إن عبد الرحمن - يعني ولده - لحريص , فقال: مَنْ أشبه أباه فما ظَلَمَ , قَالَ الرَّقام - أحمد بن علي - سألتُ عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السَّماع له وسؤالاته من أبيه , فقال: ربما كان يأكل وأقرأ عليه , ويمشي وأقرأ عليه , ويدخل الخلاء وأقرأ عليه , ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه , قَالَ عَلِي بن إبراهيم: وبلغني أنه كان يَسْأَلُ أباه أبا حاتم في مرضه الذي توفي فيه عن أشياءَ مِنْ عِلْمِ الحديث وغيره ؛ إلى وقت ذهاب لسانه , فكان يشير إليه بطرفه: نَعَمٌ وَ لَا . (8 )

وذكر القاضي عياضٌ في ( 9) في ترجمة مسرَّة بن مسلم الحَضْرمي ت (373) -وكان من أهل العلم والزهد التام- أنه لما احْتُضِرَ ابتدأ القرآن ، فانتهى في"سورة طه"إلى قوله تَعَالَى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه/ 84] ، ففاضت نفسه.

قَالَ المعافى النَّهْرَواني ( 10) : وحكى لي بعض بني الفرات ، عن رجلٍ منهم: أنه كان بحضرة أبي جعفر الطَّبري -رحمه الله- قبل موته ، وتوفي بعد ساعة أو أقلّ منها ، فذُكِرَ له هذا الدعاء ( 11) ، عن جعفر بن محمد -عليهما السلام- فاستدعى محبرة وصحيفةً فكتبها ، فقيل له: أفي هذه الحال ؟! فقال: يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ لَا يَدَع اقْتِبَاسَ العِلمِ حَتّى يَمُوت .اهـ.

وهذا البُخَارِيُّ , مَاتَ أَبُوه وَهُو صَغِيرٌ فَنَشَأَ فِي حجر أمه , فألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب , وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشر سنة ؛ حتى قيل إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردًا , وحَجَّ وعمره ثماني عشرة سنة , فأقام بمكة يطلب بها الحديث ؛ ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرِّحلة إليها , وكتب عن أكثر من ألف شيخ , وروى عنه خلائق وأمم , وقد روى الخطيب البغدادي عن الفربري أنه قَالَ: سمع الصَّحِيح من البخاري معي نحو من سبعين ألفًا ؛ لم يبق منهم أحد غيري . (12 )

وعن عمر بن حفص الأشقر قَالَ: كنا مع البخاري بالبَصرة نكتب , ففقدناه أيامًا , ثم وجدناه في بيتٍ وهو عُرْيان وقد نفد ما عنده , فجمعنا له الدَّراهم حتى اشترينا له ثوبًا وكسوناه . ( 13)

بل ربما تبسط لهم الدنيا بسطا فيسخروها ويطوعوها في طاعة الله سبحانه وتعالى .

فهذا يحي بن معين , كان والده على خراج الرَّي فمات , فخلف ليحيى ابنه ألف ألف درهم ؛ فانفقه كله على الحديث , حتى لم يبق له نعل يلبسه . ( 14)

وإذا عجزوا عن إيجاد المال لم يتعنوا في طلب العلم بل طوعوا أشياء مما لا يعبأ بها النَّاس في الطَّلب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت