فهذا الشّافِعي رحمه الله لم يكن له مَالٌ , قَالَ: فَكُنْتُ أَطْلُبُ العِلْمَ في الحدَاثَةِ , أذهب إلى الدِّيوان استوهب الظُّهور - أي ظهر الورق المكتوب فيه - أكتب فيها . ( 15)
قَالَ الحاكم: وسألت محمد بن الفضل بن محمد عن جده - ابن خزيمة صَاحِبُ الصَّحِيح - فذكر: أنه لا يدخر شيئًا جهده ؛ بل ينفقه على أهل العلم , وكان لا يعرف سَنْجَةَ الوزن , ولا يميز بين العشرة والعشرين , ربما أخذنا منه العشرة ؛ فيتوهم أنها خمسة . (16 )
وكانوا يُكيفون أوضاعهم وأمورهم ؛ حتى ثيابهم لطلب العلم .
قَالَ ابْنُ دَاسّه: كان لأبي داود كُمٌّ وَاسِعٌ وَكُمٌّ ضَيِّقٌ , فقيل له في ذلك فقال: الواسِعُ لِلْكُتْبِ , والآخَرُ لا يُحْتَاجُ إِلَيه . (17 )
ولو نظر النَّاظر إلى حالهم في طلب العلم , وما بذلوه من غالٍ ونفيس , وما وقع لهم من صِعَابٍ لوجد العَجَبَ العُجَاب .
فهذا ابن خِراش: عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش الحافظ يقول: شربت بولي في هذا الشأن - يعني الحديث - خَمْسَ مَرّات , قلت - أي الخطيب: أَحْسَبُه فَعَلَ ذَلِكَ في السَّفَرِ اضْطِرارًا ؛ عند عدم الماء - والله أعلم . ( 18)
قَالَ الوخشي يوما: سمعت , ورحلت , وقاسيت المشاق , والذُّل , ورجعت إلى وخشٍ وما عرف أحد قدري , ولا فهم ما حصلته , فقلت: أموت ولا يَنْتَشِرُ ذِكْرِي , ولا يَتَرَحَّمُ أَحَدٌ عَلَيّ , فسَهَّل الله ووفق نظام الملك ؛ حتى بني هذه المدرسة فيها حتى أُحَدِّث , لقد كنت بعسقلان أسمع من ابن مصحِّح وغيره , فضاقت عَلَيَّ النَّفقة , وبقيت أيامًا بلا أكل , فأخذت لأكتب فعجزت , فذهبت إلى دُكّان خباز وقعدت بقربه لأشم رائحة الخبز , وأتقوى بها ثم فتح الله تَعَالَى على0 (19 )
وقد بلغوا من الحرص درجةً عجيبةً حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُم يَنْكَسرُ قَلَمُهُ ؛ فيشتري قلمًا بدينار .
فقد انكسر قلم محمد بن سلام البيكندي في مجلس شيخٍ له , فأمر أن ينادى قلم بدينار , فطارت إليه الأقلام . ( 20)
قَالَ الليث بن سعد: وضع الطست بين يدي ابن شهاب , فتذكر حديثًا فلم تزل يده في الطست حتى طلع الفجر ؛ حتى صححه. ( 21)
قَالَ الزُّهْرِي: خَدَمْتُ عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة , حتى أن كان خادمه ليخرج فيقول: مَنْ بالباب ؟ فتقول الجارية: غُلامك الأعيمش - فتظن أني غلامه - وإن كنت لأخدمه حتى لأستقي له وضوءه . ( 22)
وكان ابن طاهر أحد الحفاظ , حسن الاعتقاد , جميل الطَّريقة , صدوقًا عالِمًا بالصَّحيح والسَّقيم , كثير التصانيف , لازمًا للأثر يقول: بُلت الدَّم في طلب الحديث مرتين , مرة ببغداد , ومرة بمكة , كنت أمشي حافيًا في الحرِّ ؛ فلحقني ذلك , وما ركبت دابة قط في طلب الحديث , وكنت أحمل كُتُبي على ظهري , وما سألت في حال الطَّلب أحدًا , كنت أعيش على ما يأتي . وقيل: كان يمشى دائمًا في اليوم والليلة عشرين فرسخًا , وكان قادرًا على ذلك . ( 23)
قَالَ أبو طَاهِر السِّلفي: وقد كُتِبَ عَنِّي بأصبهان أول سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة , وأنا ابن سبع عشرة سنة , أو أكثر أو أقل بقليل , وما في وجهي شعرة , كالبخاري رحمه الله - يعني لما كَتَبُوا عنه .
قَالَ الشَّيخ علم الدين السَّخاوي: سمعت يومًا أبا طاهر السِّلفي ينشد لنفسه ما قاله قديمًا:
أَنَا من أَهْلِ iiالْحَدِيثِ
وَهُمْ خَيْرُ iiفِئة
جُزْتُ تِسْعِينَ iiوَأَرْ
جُو أَنْ أَجُوزَنَّ الْمِائَة
فقيل له: قد حقَّق الله رجاءك , فعلمت أنه قد جاز المائة , وذلك في سنة إثنتين وسبعين وخمس مائة . (24 )
وعن ابن نَاصِر قَالَ: كان السِّلفي ببغداد كأنه شعلةُ نارٍ في التَّحصيل . ( 25)
ففي ترجمة أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي ت (513) (26 ) : -رحمه الله- أنه قَالَ: إني لأجدُ من حِرْصي على العلم ، وأنا في عَشْرِ الثمانين (27 ) أشدّ مما كنت أجده وأنا ابنُ عِشرين سنة .
قَالَ ابن عَسَاكِر في ترجمة الفقيه سُلَيْم بن أيوب الرّازي ( 28) : حُدِّثتُ عنه أنه كان يحاسِب نفسَه على الأنفاس ، لا يدع وقتًا يمضي عليه بغير فائدة ، إِمّا ينسخ أو يُدَرِّس أو يقرأ... ولقد حدثني عنه شيخُنا أبو الفراج الإسفراييني أنه نَزَلَ يومًا إلى داره ورجع ، فقال: قد قرأتُ جُزْءًا في طَرِيقي .
وقال: إنه كان يُحرِّك شَفَتَيه إلى أن يَقُطَّ القَلَم.
وعن أبي هلالٍ العَسْكري ( 29) قَالَ: وحُكيَ عن ثعلب ( 30) أنه كان لا يُفارقه كتابٌ يَدْرُسه ، فإذا دعاه رجلٌ إلى دعوةٍ ، شَرَطَ عليه أن يوسعَ له مِقدارَ مِسْوَرَةٍ يضعُ فيها كتابًا ويقرأ .
ولقد وصل بهم الحال إلى أن يكونوا عَجَائِب الزَّمان , وتندر الخلان , حتى يُقرن أحدهم بعجائب الدنيا التي لا تبليها الدُّهُور , ولا تؤثر فيها السُّنُون .
قَالَ يحيى بن معين: رأيت بمصر ثلاث عَجِائب: النيل , والأهرام , وسعيد بن عُفير (31 ) , قَالَ الذهبي قلت: حسبك أن يحيى إمام المحدثين انبهر لابن عفير . ( 32)