فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بدران الحسن 1/9/1424
كل عام يهل علينا رمضان، ونعبر عن فرحتنا به، ونظهر الغبطة والحفاوة بهذا الزائر الكريم. وفي كل عام نحيي شعيرة الصوم ونعظمها أيما إكبار؛ ينم عن أن في أنفس المسلمين بقية من"تقوى القلوب"ما دام الناس يعظمون شعائر الله تعالى.
في رمضان تتجلى رحمة الله على عباده؛ فترى الناس وقد أقبلوا على إحياء لياليه بالصلاة وقراءة القرآن والذكر، كما أنهم يصومون أيامه استجابة لنداء الله تعالى، وتلبية لدعوته التي دعاهم فيها بقوله: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (1) ، واتباعًا لقول الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-:"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان" (2) .
وحديثنا في هذا المقام ليس عن أهمية الصوم، ولا عن أحكامه، ولا عن فضل الصائم القائم عند الله تعالى، وإنما أردنا أن نتوجه إلى جانبين مهمين من جوانب حياتنا؛ لرمضان عليهما تأثير كبير. إنهما: الجانب الثقافي، والجانب الاجتماعي في حياتنا. وكيف يتأثران بهذا الشهر الكريم. وبعبارة أخرى فإن لرمضان قيمه الثقافية والاجتماعية التي يربينا عليها، وبالتالي يصبغ الأمة كلها بها.
القيم الثقافية لرمضان المبارك
تتجلى الوحدة الثقافية للأمة في هذا الشهر المبارك بصفة خاصة؛ ففيه تتحد الأفكار، وتتجه الأنظار إلى القرآن بشكل ملفت للنظر، بل حتى ذلك المسلم الذي لا يكاد يلمس المصحف طوال السنة، يلين جانبه، ويرق قلبه، حينما يرى مظاهر قراءة القرآن منتشرة في كل زاوية من زوايا المساجد والمصليات والبيوت، بل وحتى محطات الإذاعة والتلفزيون على قلة ما تقدمه!.
وفي هذا الشهر الكريم تتلو ملايين من المسلمين القرآن كما لم تتله في بقية أيام السنة، وتمتلئ المساجد بالمصلين على غير عادتها في الأيام الأخرى، وتتحد مواقيت الوجبات، بل وتتقارب نوعيات الأطباق في مختلف أقطار الإسلام، برغم بعد المسافات واختلاف الأجناس، وتباين الأعراف، وتغاير العادات.
إن هذا الشهر الكريم يصبغ المجتمعات الإسلامية بصبغة إسلامية، ويكون موسمًا تعظم فيه شعيرة من أكبر شعائر الإسلام، وقاعدة من قواعده الخمس. وفي هذا الشهر، لا تجد طوائف كثيرة من أبناء المسلمين ممن انساحوا خلف الأفكار البدعية والشركية والمنحرفة إلا الانضواء في الثقافة العامة للمجتمع، والتي هي ثقافة رمضان، ذلك الشهر الذي يطغى ببركته على كل التعبيرات النشاز التي تعودناها في بقية السنة.
بل إنه رغم اختلاف أفراد الأمة في المشارب اللغوية والفكرية والعرقية والقومية وغيرها؛ فإن لرمضان سمته الخاص حتى على طريقة الأكل، وطريقة الكلام، وطريقة الصلاة، بل وطريقة تلاوة القرآن. ذلك أن رمضان يوحد أنماط الأكل وطرائقه في كل أقطار العالم الإسلامي، حيث تختفي الفردانية والعزلة، وتأتي المائدة المشتركة التي تجمع أفراد الأسرة الواحدة في جلسة مشتركة تحفهم سكينة رمضان سواء في ذلك أكانت المائدة تحوي أكلًا شهيًا متنوعًا أم تحوي أكلًا متواضعًا قليلًا، لكن طريقة التناول وأوقاتها واحدة.
أما طريقة الكلام؛ فإن رمضان يمنح الصائم سمتًا من الهيبة وقلة الكلام والتزام الذكر، وتلك لعمري فائدة كبيرة تنسجم مع أهداف هذا الشهر الكريم في تربيتنا على ثقافة العمل وقلة الكلام. إن رمضان يعلم الناس الإنجاز العملي والإعراض عن الخوض في ما لا ينفع من القول. أو بتعبير مالك بن نبي - رحمه الله- إن رمضان يعلمنا"المنطق العملي"، فنتحول من القول وفق ما يقول القرآن إلى العمل بما يقول.
أما طريقة الصلاة؛ فإن رمضان يضفي على الصلاة نكهة خاصة، إذ تقل فيه صلاة الفذ، وتكثر فيه صلاة الجماعة، ويحرص فيه الناس على صلاة الصبح بعد أن نسوا أداءها في وقتها طيلة العام، كما أن النوافل تلقى حظها من العناية، وتقام الليالي ويحي الناس ليالي رمضان بالتراويح وقيام الليل. وبالرغم من أن كثيرا من أبناء المسلمين يحيون ليالي رمضان في لعبة الورق وغيرها من الملهيات، غير أن هناك - بلا شك- الكثير من أبناء المسلمين أيضا من يجددون صلتهم بالمسجد، وبالجماعة، وبقيام الليل، وبإحياء النوافل.
أما القرآن؛ فإنه ينال الحظ الأوفر من العناية، ومن خلال علاقاتي مع الناس رأيت أن منهم من لا يقرأ القرآن أبدا خلال العام كله، غير أنه يجدد صلته بكتاب الله تعالى في هذا الشهر الكريم، بل ومنهم من لا يفك صلته بالقرآن بعد نهاية رمضان، ويستمر في صلته تلك، بعد أن أشرب قلبه حب القرآن وتلاوته في رمضان.