فهرس الكتاب

الصفحة 17683 من 27345

طغيان الحب بلاء *

أ.د ناصر العمر

في قصة امرأة العزيز مع نبي الله يوسف _عليه السلام_ من الدروس والعبر شيء كثير، ومن تلك الدروس بيان أن الحب إذا تجاوز حدود الشريعة أضر بالمحب والمحبوب، أما المحب فربما أغلق الحب عقله، فبدرت منه تصرفات غير مرضية بل منكرة، هم وغم وغفلة وسهو وانشداه، كأنه لا يعيش في دنيا الناس، قال أعرابي: إن لم يكن العشق ضربًا من السحر، فإنه لسعة من جنون! وهذا الذي قال منقول عن حكيم العجم سقراط قال: العشق جنون، وهو ألوان كما أن الجنون ألوان.

قال غيلان بن عقبة:

هو السحر إلا أن للسحر رقية ... وإني لا ألقى من الحب iiراقيا

ولابن الرومي:

أهوى الهوى كل ذي لب فلست أرى ... إلا صحيحًا له أفعال iiمجنون

ولآخر:

أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ... ومن الحب جنون iiمستعر

قال الأصمعيّ: سئل أعرابيّ عن الحبّ، فقال: وما الحب؟ وما عسى أن يكون؟ هل هو

إلا سحر أو جنون. ثم قال:

هل الحُبُّ إلا زفرةٌ بعد iiزفرةٍ،

وفيض دموع العين منِّيَ iiكلما ... ... وحرٌّ على الأحشاء ليس له iiبرد؟

بدا علمٌ من أرضكم لم يكن يبدو!

وقال: قلت لأعرابيّ: ما الحب؟ فقال:

الحبُّ مشغلةٌ عن كلِّ iiصالحةٍ ... ... وسكرة الحبِّ تنفي سكرة الوسنِ

وقال بعضهم مررت بدربٍ، فإذا جماعة وقوف على مجنون فوقفت، فهش إلي، وقال:

اسَقِّني قبلَ تَباريحِ iiالعَطَش!

حُبُّ مَن أهوَاهُ قد iiأدْهَشَني ... ... إنّ يومي يومُ طشٍّ بعدَ iiرَشّ

لا خلَوْتُ الدهرَ من ذاكَ الدّهَش

ومن طريف قولهم:

طَرَقَت بعدَ هَجعَةٍ أمُّ وَرْقَا،

ثمّ فَضّتْ خَتْمَ العِتَابِ iiوَقَالتْ:

مِثلَ ما ماتَ مِنْ بَني عُذرَةَ iiكُلْ

قَتَلَ الحُبُّ قَيسَ لُبنى iiوَمجنُو

وَتَحَدّى كُثيّرًا iiوَجَميلًا،

قُلتُ: عِندي على هَوَاكِ شُهُودٌ:

وَسَلي عَنْ أضَالِعي iiزَفَرَاتٍ، ... خَوْفَ وَاشٍ وَحَاسِدٍ iiيَتَوَقّى

أنتَ لوْ كنتَ عاشِقًا متَّ عِشقَا

لُ صَحيحِ الهَوَى فغُودرَ iiمُلقَى

نَ بَني عَامِرٍ وَأمرَضَ iiخَلقَا

وَلَقيَ مِنْهُ عُرْوَةُ كُلَّ iiمَلقَى

أدمُعٌ مُستَهلّةٌ، لَيسَ تَرْقَا

ما تُلاقي مِنْ حَرّهنّ iiوَألقَى

فانظر إلى تلك الحال المتهمة! ومثل هذا كثير وهكذا الحب إن ترك له العنان ليستفحل دون أن يداوى بالدواء الشرعي يصم ويعمي، كما حصل لامرأة العزيز.

وأما إضرار الحب -إذا هو طغى- بالمحبوب، فمثاله ما أودى إليه حال امرأة العزيز، انظر كيف أودى حبها بيوسف إلى السجن الطويل. و من الحب ما قتل! وبعض الناس يحسب أن هذا للمحب العاشق فحسب ويرون فيه كثيرًا من أخبار العشاق، والصحيح أنه صحيح في المحب والمحبوب وربما تعداهما لثالث لمعارض، وقد ذكروا شيئًا من هذا في أخبارهم وأنشأ بعضهم وزعموا أنه قتل زوجه غيرة:

يا طَلعَةً طَلَعَ الحِمامُ iiعَلَيها

حكَمتُ سيفي في مجال iiخِناقِها،

ما كانَ قتلِيها لأني لم iiأكُنْ

لكن بخلتُ على العُيونِ بحُسنِها، ...

... فجَنى لهَا ثَمَرَ الرَّدى بيَدَيها.

وَمدامعي تجري على iiخَدّيْها.

أخشى إذا سقَطَ الغُبارُ iiعليها.

وأنِفتُ من نَظرِ العيونِ إليها

وأما ما كان دون ذلك فهو كثير، وانظر إلى حب كُثَيِّر -وهو من أشهر العذريين- كيف جعله يقول:

ألا ليتنا يا عز كنا لذي iiغنًى

كلانا به عر فمن يرنا iiيقل

إذا ما وردنا منهلًا صاح أهله ... ... بعيرين نرعى في الخلاء ونغرب

على حسنها جرباء تعدي وأجرب

علينا فما ننفك نُرمى ونُضرب

فزعموا أن بعضهم قال له: تمنيت لها ولنفسك الرق والطرد والمسخ، فأي مكروهٍ لم تتمن لها ولنفسك! لقد أصابها منك قول القائل: معاداة عاقلٍ خير من مودة أحمق!

والشاهد مما سبق هو أن الحب إن زاد ولم يداوى دواءً شرعيًا بالزواج، أو قطع أسبابه، وشغل النفس بما هو أنفع عاد ضررًا على صاحبه، وعلى محبه، وربما على غيرهما، وقد كان حب امرأة العزيز ليوسف من هذا القبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت