فهرس الكتاب

الصفحة 3141 من 27345

الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*

من الأدواء الخبيثة، والأمراض الخسيسة، أعني أمراض القلوب المعنوية التي هي أخطر وأشد من أمراض الأبدان الحسية، الغفلة، وطول الأمل، والتسويف، وحب الدنيا، وكراهية الموت.

حيث أضحى لا تنفع معها ذكرى، ولا تفيد بسببها موعظة ولا فكرة، ولا يؤثر في النفوس زجر ولا تخويف، ولا آية ولا حديث، لأن الغفلة بلغت مداها، والتسويف وطول الأمل غاية مناها.

هذا هو الفرق بيننا وبين سلفنا الأطهار وسادتنا الأخيار، كان أملهم في الدنيا قصير، وخوفهم من الله وأهوال الطامة وأن تحبط أعمالهم كبير، ولم يأمنوا مكر الله كما أمنا نحن، فالمؤمن يجمع بين العمل والخوف، والمنافق يجمع يبن الأمل والتقصير.

قال الحسن: إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنًا.

يقول ابن أبي مليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه.

وعندما سئل الحسن البصري رحمه الله: أتخاف من النفاق؟! قال: وما يؤمنني وقد خافه عمر رضي الله عنه.

وكان طاوس اليماني إذا مر ببائع الرؤوس وقد رآه يخرج رأسًا مشويًا غشي عليه، ولم يتعش تلك الليلة.

وقال سفيان بن عيينة: خلق الله النار رحمة يخوِّف بها عباده لينتهوا.

وكان صهيب بن سنان رضي الله عنه إذا ذكر الجنة طال شوقه لها، وإذا ذكر النار طار نومه خوفًا منها، كما وصفته زوجه رضي الله عنها.

ذكرني شدة الحر في هذه الأيام قوله صلى الله عليه وسلم:"إن النار اشتكت إلى ربها سبحانه وتعالى قائلة: يا رب! أكل بعضي بعضًا؛ فجعل لها نَفَسَين، نَفَسًا في الشتاء ونَفَسًا في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها".

وقول ابن عمر رضي الله عنهما ناصحًا لإخوانه المسلمين ومحذرًا لهم من نار الجحيم:"احذروا النار، فإن حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد"، أوكما قال.

إي وربي، فإن نار الآخرة التي هي سبعون ضعفًا من نار الدنيا حرها شديد، ولو كانت مثل نار الدنيا لكفت، ولزجرت أصحاب القلوب والنهى.

وهل تدري أخي المسلم أن قارون الذي خسف به منذ أمد بعيد لا زال يجلجل فيها لم يصل قعرها؟

وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع وجبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟! قال: قلنا: الله ورسوله أعلم؛ قال: هذا حَجَر رمي في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار حتى انتهى إلى قعرها"."

هذه النار التي وصفها لنا ربنا ورسولنا، ولا ينبئك مثل خبير، النار التي لا تفنى ولا تبيد، والتي لأهلها الخالدين فيها زفير وشهيق، النار التي لا تمتلئ بل تطلب المزيد، النار التي طعام أهلها الغسلين، وشرابهم الحميم، كشرب الهيم، الواجب على كل مسلم أن يقي نفسه ويسعى لوقاية أهلها منها، عملًا بوصية ربنا سبحانه وتعالى، اللطيف الرحيم بعباده، والناصح الكريم:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون".

واتقاء النار ليس بالأمر العسير لمن وفقه الله لذلك، فقد نجى الله بغيًا من بغايا بني إسرائيل لسقيها كلبًا كان يأكل الثرى من العطش، حيث تدلت في بئر وحملت له ماءً في موقها، فشكر الله لها هذا الصنيع، فغفر لها، وأدخلها الجنة، ونجاها من النار.

وقد أرشد رسولنا إلى ما هو أيسر من ذلك، إلى التصدق ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة، حيث قال:"من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل".

وعن وائل بن حُجْر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة".

وزاد ابن حجر:"ولو بكلمة طيبة".

فالصدقة قليلة كانت أم كثيرة، إن كانت من صادق ومن كسب طيب، والله لا يقبل إلا طيبًا، من أجل القربات، وهي تطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى، فعليك أخي المسلم أن لا تستحي من أن تتصدق بما تملك، شريطة أن تكون طيبة بذلك نفسك.

قال الإمام النووي في شرح الحديث السابق: (وفيه الحث على الصدقة وأنه لا يمتنع منها لقلتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت