وهذا أمر خطير ومعول هدم للفقه الإسلامي المبارك ، إذ أن اغتياب الأئمة الأعلام ، يعني عدم احترامهم ، وبالتالي عدم احترام ما قدموه للأمة من علم ، وهذه هي الطامة والحالقة ،وهي بغي خطير يجلب لصاحبه العقوبة في الدنيا قبل الآخرة ، روى أبو داوود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم ) ، فغيبة العلماء والصلحاء والأتقياء خرق في الدين خطير حذر منه أهل العلم أشد تحذير ،فقال مالك ابن دينار رحمه الله: ( كفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا ، وهو يقع في الصالحين ) وقال الإمام أحمد بن الأذرعي رحمه الله: ( الوقيعة في أهل العلم لا سيما أكابرهم ، من كبائر الذنوب ) ، وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ( لحوم العلماء مسمومة ، من شمها مرض ،ومن أكلها مات ) . ورحم الله من قال: ( إن العلماء هم عقول الأمة والأمة التي لا تحترم عقولها غير جديرة بالبقاء ) .
فعجيب أمر من يسب العلماء ويطعن فيهم ويغتابهم ، أما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سب الديك ، لأنه يدعو إلى الصلاة ، كما روى أحمد وأبو داوود ، فكيف يستبيح قوم إطلاق ألسنتهم في ورثة الأنبياء الداعين إلى الله عز وجل ؟!!! قال الله تعالى ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) ، فينبغي الذب عن عرض كل مسلم وخصوصا العلماء والصلحاء والأتقياء والدعاة ، وليبشر من كان هذا ديدنه بما رواه أحمد وغيره ،أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( من ذب عن عرض أخيه بالغَيبة كان حق على الله أن يعتقه من النار ) .
ويجب على كل مسلم بالغ عاقل ذكر أو أنثى أن يصن لسانه عن الغيبة وفحش الكلام ولا يتكلم إلا بخير وبما ينفع ، لما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) ، وروى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ، وجاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي المسلمين أفضل ؟ قال: ( من سلم المسلمون من لسانه ويده ) . وجاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ) .
وجاء في كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله قال: ( بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا ، فقال أحدهم لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب ؟ فقال: هي أكثر من أن تحصى والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب ، ووجدت خصلة إن استعملها سترت العيوب كلها ، قال ما هي ؟ قال: حفظ اللسان ) . وإن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: ( من عدَ كلامه من عمله قل كلامه في ما لا يعنيه ) .
ومما ينفع في هذا المقام كذلك ما قاله أحد الصالحين: ( والله ما يحل لك أن تؤذي كلبا أو خنزيرا بغير حق ، فكيف تؤذي مسلما ) . وأخرج مالك في الموطأ عن يحي بن سعيد أن عيسى بن مريم عليه السلام لقي خنزيرا بالطريق ، فقال له: (أنفذ بسلام ) ، فقيل له تقول هذا لخنزير ؟ فقال عيسى عليه السلام: ( إني أخاف أن أعود لساني النطق بالسوء ) . وقال يحي بن كثير رحمه الله: (خصلتان إذا رأيتهما في الرجل فاعلم أنما وراءهما خير منهما: إذا كان حابسا للسانه ، يحافظ على صلاته ) .
فعلى المرء أن يجاهد نفسه وينهها عن الغيبة وغيرها من الذنوب ، وليكن قائدنا في ذلك خوف الله وتقواه ، وليرغب كل واحد منا نفسه بما سبق من أدلة ، ويرغبها أيضا بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله عز وجل ) والحديث رواه أبو نعيم في الحلية وهو صحيح عند بعض المحدثين ، وأختم هذه الكلمة بما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا يخذله ، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه وماله ودمه ، التقوى هاهنا - وأشارإلى صدره الشريف - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) .
فعلينا أن نحفظ هذا الحديث ، ونعمل بمقتضاه ، ونتذكره بين الحين والآخر ، ونُذكر به ، وعلى الأخوة أكلة لحوم البشر الميتة أن يتقو الله ربهم . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد أعظم من علَم الناس الخير وعلى آله وصحابته وأتباعه ، والحمد لله أولا وآخرا ...