الديموقراطية والطريق إلى التهلكة حسين أبو بكر إدريس*
ارتفع القرآن بالدين من عقائد الكهانة والوساطة والنار، والمحاريب إلى عقائد الرشد والهداية.. والإنسان أهل للكمال والنقص؛ فهو أهل للخير، وأهل للشر؛ لأنه أهل للتكاليف.. والإنسان مسؤول عن عمله فردًا وجماعة؛ لا يؤخذ واحد بوزر آخر، ولا أمة بوزر أمة: (كل امرئ بما كسب رهين ) .
مناط المسؤولية جامع لكل ركن من أركانها، يتغلغل إليه فكر الباحثين عن حكمة التشريع الديني، أو التشريع في الموضوع؛ فهي بنصوص الكتاب قائمة على أركانها المجملة - تبليغ، وعلم، وعمل - قال تعالى: (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون) ، وقال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) .
إن القرآن الذي ميز الإنسان بخاصة التكليف هو الكتاب الذي امتلأ بخطاب العقل بكل ملكة من ملكاته؛ فالعقل وازع (يعقل) صاحبه عما يأباه له التكليف.. العقل فهم وفكر يتقلب في وجوه الأشياء، وفي بواطن الأمور.. والعقل رشد يميز بين الهداية والضلال.. والعقل رؤية وتدبير.. والعقل بصيرة تنفذ وراء الأبصار.. والعقل ذكرى تأخذ من الماضي للحاضر، وتجمع العبرة مما كان لما يكون، وتحفظ وتعي وتعيد الذكرى.. إذًا فالعقل بكل هذه المعاني موصول بكل حجة من حجج التكليف، وكل أمر بمعروف، ونهي عن محظور.
أفلا يعقلون؟ أفلا يتفكرون؟ أفلا يبصرون؟ أفلا يتدبرون؟ أليس منكم رجل رشيد؟ أفلا تتذكرون؟.. إن هذا العقل بكل عمل من أعماله التي يناط بها التكليف حجة على المكلفين فيما يعنيهم من أمر الأرض والسماء، ومن أمر أنفسهم، ومن أمر خالقهم وخالق الأرض والسماء؛ لأنهم وكما يقول تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار ) .ِ
إذًا فنعمة العقل نعمة وهبها الله للإنسان تمييزًا بين سائر المخلوقات.. هذا الإنسان الذي قبل بحمل أمانة التكليف كما في قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) ، ويراد بها التكليف كما يراد بها الطاعة؛ لأنها لازمة الوجود كما أن الأمانة لازمة الأداء.
إذًا فالإسلام لا يعذر إنسانًا يعطل عقله ليطيع السادة المستكبرين أمثال سادة الغرب، ولا أحبار المتسلطين بسلطان المال والدين أمثال الصهاينة والنصارى.. قال تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) إذًا فالأمانة تكون في التكليف، والمساواة في التقوى كما في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) .
إذا كانت البشرية قد تعددت شعوبًا وقبائل كما جاء في الآية الكريمة فإنما هذا التعدد أقوى الأسباب لإحكام صلة التعارف بينها، وتعريف الإنسانية كلها بأسرار خلقها؛ فإن تعدد الشعوب والقبائل يعدد المساعي والحيل لاستخراج كنوز الأرض، واستنباط أدوات الصناعة على حسب المواقع والأزمنة، وعلى حسب الملكات والعادات التي تتفتق عنها ضرورة العيش والذود عن الحياة؛ فينجم عن هذا ما لا بد أن ينجم منه من تعدد الحضارات، وأفانين الثقافة، وتزداد الإنسانية عرفانًا بأسرار خلقها، وعرفانًا بخالقها، واقترابا فيما بينها؛ قال تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) .. وهذا هو حكم القرآن في وحدة بني الإنسان، وفي تدعيم هذه الوحدة بما يحسبه الناظر المتعجل بابًا من أبواب الأفراق والتباين؛ وهو تعدد الشعوب والقبائل، واختلاف اللغات والألوان؛ قال تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون) يونس 19، وأيضًا قوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) ، وقال تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات) المائدة 48
إن هذه الوحدة في صلة الإنسان مشدودة بين الناس كافة في الصلة بالله ربهم ورب العالمين؛ الذي يسوي بينهم، ويدينهم بالرحمة والإنصاف، ثم يقضي بينهم فيما اختلفوا بقسطاس العدل أيهم أحسن عملًا، وأقرب إلى التقوى، واستباقًا إلى الخيرات؛ قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون ) .َ
ما التقوى؟!.. التقوى كلمة واحدة تجمع كل وازع يزع الضمير.. وأقدر الناس على أمانة التقوى أقدرهم على النهوض بالتبعة، وأعرفهم بمواضع المعروف، والمنكر، والمباح، والمحظور.