فهرس الكتاب

الصفحة 12363 من 27345

راشد بن فهد آل حفيظ 6/5/1426

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فهذا بحث مختصر عن مسألة بيع الدين بالدين، جمعت فيه ما وقفت عليه من كلام بعض المحققين من أهل العلم، في هذه المسألة، مع بيان المذهب"مذهب الحنابلة"وذلك لأهميتها، وتعلقها ببعض أبواب البيوع، ولأنها مما يشكل على البعض، بل قد يخطئ فيها، وقد رتبته في مبحثين على النحو التالي:

المبحث الأول: أقسام بيع الدين بالدين، وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: بيع الواجب بالواجب.

المطلب الثاني: بيع الساقط بالساقط.

المطلب الثالث: بيع الساقط بالواجب، وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: الدين الذي يجوز بيعه.

المسألة الثانية: بيع الدين لغير من هو عليه.

المطلب الرابع: بيع الواجب بالساقط.

المبحث الثاني: شروط جواز بيع الدين.

والله أسأل أن يجعل عملي خالصًا لوجهه، موافقًا لمرضاته، نافعًا لعباده، إنه قريب مجيب.

المبحث الأول

أقسام بيع الدين بالدين (1)

المطلب الأول

بيع الواجب بالواجب

القسم الأول: بيع الواجب بالواجب:

وهو بيع دين مؤجل لم يقبض بدين مؤجل آخر لم يقبض، أو بيع الدين المؤخر الذي لم يقبض بالدين المؤخر الذي لم يقبض.

فكلاهما مؤخر مؤجل، لم يقبض أحدهما، أو يسقط (2) .

"مثل أن يسلم شيئًا مؤخرًا في الذمة في شيء في الذمة" (3) وهو محرم بالإجماع (4) وهو بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه (5) ، بحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-"أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" (6) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وهذا مثل أن يسلف إليه شيئًا مؤجلًا في شيء مؤجل، فهذا الذي لا يجوز بالإجماع، .. والإجماع إنما هو في الدين الواجب بالدين الواجب، كالسلف المؤجل من الطرفين" (7) .

وقال رحمه الله:"لا يجوز باتفاقهم، لأنه كلًا منهما شغل ذمته بما للآخر من غير منفعة حصلت لأحدهما، والمقصود بالبيع النفع،فهذا يكون أحدهما قد أكل مال الآخر بالباطل إذا قال أسلمت إليك مائة درهم إلى سنة في وسق حنطة، ولم يعطه شيئًا، فإن هذه المعاملة ليس فيها منفعة، بل مضرة، هذا يطلب هذا بالدراهم، ولم ينتفع واحد منهما، بل أكل مال الآخر بالباطل من غير نفع نفعه به (8) ."

وقال رحمه الله:"والمقصود من العقود: القبض، فهذا عقد لم يحصل به مقصود أصلًا، بل هو التزام بلا فائدة" (9) .

وقال رحمه الله:"إنه عقد وإيجاب على النفوس بلا حصول مقصود لأحد الطرفين، ولا لهما" (10) .

وقال ابن القيم -رحمه الله-:"إنه اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة، فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله، وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بلا فائدة" (11) . وقال -رحمه الله-:"وفيه ذريعة إلى تضاعف الدين في ذمة كل واحد منهما في مقابلة تأجيله، وهذه مفسدة ربا النساء بعينها" (12) .

المطلب الثاني

بيع الساقط بالساقط

القسم الثاني: بيع الساقط بالساقط:

وهو: بيع دين ثابت في الذمة يسقط إذا بيع بدين ثابت في الذمة يسقط" (13) مثل أن يكون لأحدهما عند الآخر، وللآخر عند الأول دراهم، فيبيع هذا بهذا" (14) .

وهو ما يعرف بمسألة المقاصة (15) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وهذا بيع دين ساقط بدين ساقط، ومذهب أبي حنيفة (16) ، ومالك (17) ، جوازه" (18) .

وقال رحمه الله:"والأظهر جواز هذا، لأنه برئت ذمة كل منهما، فهو خلاف ما يشغل ذمة كل منهما.." (19) .

وقال رحمه الله:"إن هذا يقتضي تفريغ كل واحدة من الذمتين، ولهذا كان هذا جائزًا في أظهر قولي العلماء كمذهب مالك، وأبي حنيفة" (20) .

وقال رحمه الله:"إن براءة ذمة كل منهما منفعة له" (21) . وقال ابن القيم -رحمه الله- معللًا للجواز:

"لأن ذمتهما تبرأ من أسرها، وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع" (22) .

واختار الجواز -كذلك- العلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (23) ، وتلميذه العلامة الشيخ محمد بن عثيمين (24) ، رحمهما الله.

أما المذهب: فلا يجوز ذلك، لأنه بيع دين بدين (25) .

ويجاب عن ذلك بأن بيع الدين بالدين المنهي عنه هو بيع الواجب بالواجب، لاشتغال الذمتين فيه بغير منفعة -كما تقدم-"بخلاف بيع الساقط بالساقط، فإن براءة ذمة كل منهما منفعة له" (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت