الشيخ محمد الهدار- صحيفة أخبار بنغازي/ الشبكة
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى . وبعد ...
إن المتأمل والمتفحص لغالب مجالس الناس اليوم ذكورا وإناثا يجدها مليئة بفاحشة نكراء وجريمة بشعة وإثم شنيع ، يراه بعض العلماء من كبائر الذنوب ، وهو محرم بنص الكتاب والسنة والإجماع ،هذا الجرم هو أكل لحوم البشر والخوض في أعراضهم ، وتسمى هذه الحالة بالغيبة ، قال الله تعالى ( ولا يغتب بعضكم بعضا ) ، ثم بين شناعة هذه الجريمة ووصف حال فاعليها بقوله جل شأنه ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) ، قال الإمام القرطبى رحمه الله (مثل الله الغيبة بأكل الميتة ،لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه) .وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ( إنما ضرب الله هذا المثل للغيبة لأن أكل الميت حرام مستقذر ، وكذا الغيبة حرام في الدين وقبيح في النفوس ) .
وقال قتاده رحمه الله: ( كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيا ) . وقال الفقيه الشافعي ابن حجر الهيثمي رحمه الله: الغيبة والنميمة حرام بالإجماع، وإنما الخلاف في الغيبة هل هي كبيرة أو صغيرة ؟ ونقل الإجماع على أنها كبيرة ،وقال آخرون: (محله - أي الإجماع - إن كانت في طلبة العلم، وحملة القرآن، وإلا كانت صغيرة ) ،وقال القرطبي رحمه الله: (لا خلاف أن الغيبة من الكبائر ،وأن من اغتاب أحدا عليه أن يتوب إلى الله عز وجل ) ، قلت: وقد أمر الله في نهاية آيةتحريم الغيبة بما يساهم ويساعد في الإقلاع عن اقتراف هذا المنكر فقال سبحانه (واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) .
روى أحمد وأبو داوود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم ) .
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر منها أشد تحذير حيث روى أحمد وأبو داوود والبيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم ،تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته ، يفضحه ولو في جوف بيته ) .
وعموما داء الغيبة قد استشرى بين أفراد المجتمع استشراء النار في الهشيم ، إلا من رحم ربي ، لدرجة أن بعض أهل العلم الشرعي تجده يمارسها مع من يمارسها من العوام ، و لله در أستاذنا وشيخنا الفاضل محمد سالم المزوغي حن قال:
وقل من تجده منها سلم *** أنظر تراها حتى بين العلماء
والغيبة قد عرفها الرسول صلى الله عليه وسلم خير تعريف كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ( هل تدرون ما الغيبة ؟ ) قالوا: الله ورسوله اعلم ، قال: ( ذكرك أخاك بما يكره ) قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال: ( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته ) ،أي قلت فيه بهتان وهو أشد ظلما من الغيبة ؛ لأنه كذب وافتراء .وجاء في الموطأ مرسلا:أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الغيبة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع ) ،وقد شرح الإمام النووي - رحمه الله - معنى الغيبة .
وإليكم بعض ما قاله بتصرف ذكره بعض العلماء: الغيبة ذكر المرء بما يكره ؛ سواء كان ذلك في بدن الشخص، أو دينه ،أو دنياه ،أو نفسه ، أو خلْقِه ، أو في خُلُقه ، أو ماله ، أو ولده ، أو زوجه ،أو خادمه ، أو ثوبه ،أو حركته ، أو طلاقته ، أو عبوسته ، أو غير ذلك مما يتعلق به ، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز .
قلت: نسال الله السلامة والنجاة ، فالأمر إذا ليس هينًا ،وإن كان البعض يحسبه هينا ،لكنه عند الله عظيم ؛ روى أحمد وأبو داوود والترمذي ، أن عائشة رضي الله عنها قالت:قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا ، قال بعض الرواة تعني أنها قصيرة ، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ) .
ومما يؤسف له أن الغيبة أصبحت تطال حتى بعض علماء الأمة و صلحائها كالإمام مالك رضي الله عنه والإمام أبي حنيفة والإمام ابن حجر وغيرهم رضي الله عن الجميع ورحمهم رحمة واسعة، فتقرأ وتسمع عمن يقول عن الإمام مالك: الهالك ، ويقول عن الإمام أبي حنيفة: أبو جيفه ، وتسمع عمن يقول عن النووي وابن حجر أنهما أصحاب بدع ...الخ .