بقلم الشيخ عبد الكريم الحمداوي/الشبيبة الإسلامية المغربية
قال الله تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ) الأنعام 120
هذه الآية الكريمة تحوي أمرا بتجنب الإثم، ووعدا ووعيدا لمن لم يمتثل، بالجزاء والعذاب في الآخرة.
والأمر فيها للوجوب موجه لسائر المكلفين إنسا وجنا، وهو لصرامته شديد الإيجاز، محرم لكل ما يستقبح، وحاض بمفهوم المخالفة على جميع مكارم الأخلاق، ومؤلف من أربعة ألفاظ لا يحتاج إلى الشرح اللغوي منها إلا لفظا"ذروا"و"إثم".
ففعل الأمر"ذروا"بمعنى دعوا واتركوا، من: وذر يذر، وقد أماتت العرب منه صيغ الماضي والمصدر واسم الفاعل، فلا يقال: وذر وذرا فهو واذر، وإنما يقال ترك تركا فهو تارك، وإنما تستعمل العرب منه صيغتي المضارع والأمر، قال تعالى:
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) البقرة278.
- (مَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الأعراف 186.
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) الجمعة 9.
- (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ) المزمل 11، أي: كلهم إلي ولا تشغل قلبك بهم.
أما لفظ"إثم"فحروفه الثلاثة الهمزة والثاء والميم تدل على أصل واحد هو البطء والتأخر، والإثم مشتق منه، لأن الآثم بطيء عن الخير متأخر عليه.
يقال: أثم الرجل إثما ومأثما فهو آثم وأثيم وأثوم، إذا أذنب، أما قوله تعالى (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) الفرقان 68، فمعنى"الأثام"هنا: جزاء الإثم.
والتأثم هو التحرج من الذنب والكف عنه والتوبة منه.
والإثم لغة هو الذنب، ومن فسره بالعدوان جانبه الصواب، لأن العدوان من الإثم، والإثم أعم منه، والعرب تسمي الخمر إثما، وبه فسر قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ ) الأعراف 33.
ونظرا للسياق الذي وردت فيه هذه الآية من لوم للمشركين على امتناعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه قبلها (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ) الأنعام 119، ونهيهم عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه بعدها (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) الأنعام 121، ولما جرت به عادة العرب من تسمية الخمر إثما، فقد ذهب المفسرون في شرح الإثم مذاهب شتى، وخصصوا معناه تخصيصات لا دليل عليها:
ذهب بعضهم إلى أن الإثم الظاهر والباطن خاص بأكل الميتة والذبائح وشرب الخمر والنبيذ، وآخرون إلى أن ظاهر الإثم هو الزنا المعلن بذوات الرايات ( المحترفات) ، وباطنه هو الزنا الخفي واتخاذ الأخدان، كما فسر بشرب الخمر علانية وتسترا.
وعند بعضهم الظاهر منه هو الطواف بالبيت عراة والباطن هو الاستسرار بالزنا، وعند آخرين الظاهر منه ما ورد في الآية 23 من سورة النساء ( حرمت عليكم أمهاتكم...) والباطن هو الزنا، أو أعمال الجوارح الظاهرة والنوايا وأعمال القلوب المستترة.
لكن الصواب هو أن تخصيص الآية بصورة معينة من غير دليل لا يجوز، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون التحريم عاما في جميع الآثام والفواحش، ولذلك عقب تعالى على هذا الأمر بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ) الأنعام 120، أي أن مرتكب الإثم ظاهرا أو خفيا سيجازي بالعذاب الدائم يوم القيامة إن كان مستحلا له، فإن لم يكن مستحلا له ولم يتب ولم يعف الله عنه عذب على قدر ذنبه؛ وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقال: ( الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) صحيح مسلم والمستدرك على الصحيحين؛ ولا يحيك في صدر المؤمن ويخشى الفضيحة فيه إلا ما خالف الشريعة وعارض الفطرة السوية وأخل بالمروءة.
إن الإثم العام غير المخصص الذي تحرمه هذه الآية الكريمة، منه ما هو متعلق بالمعتقد، ومنه ما هو متعلق بالنية والقصد والإرادة، أو بأمراض القلوب وخطرات النفس، أو بأعمال الجوارح الظاهرة والمستترة.
1 -إثم المعتقد: