أشد الآثام وأخطرها الشرك بالله تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) الكهف 110، وهو إنكار ألوهيته عز وجل أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته، أو إشراك غيره معه فيها، سواء كان ذلك في المعتقد أو في العبادة؛ إلا أن أخف الشرك ما اجتمع فيه الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم مع أعمال جعل فيها لغير الله نصيب مهما كان قليلا، وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه قال:
- ( أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء ) مسلم وابن ماجه وأحمد.
- ( الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة، قالوا: يا رسول الله كيف ننجو منه؟ قال:"قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ) ابن حبان في صحيحه."
2 -إثم النية والقصد والإرادة:
ولا نعني بالنية ما يميز به المرء العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر أو صيام الفرض عن صيام التطوع مثلا، ولكننا نعني بها قصد العامل بعمله، وهل هو لله أم لغير الله، للخير أم للشر؟، وهو ما شرحه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى...) البخاري ومسلم.
فأي عمل يقوم به المرء ينقلب إثما إذا لم يرد به نفع نفسه أو نفع عباد الله أو كف أذى أو جلب مصلحة ولم يقصد بذلك وجه الله تعالى؛ وكأي من عمل يبدو ظاهره خيرا والقصد منه قبيح، والطعم الذي يوضع في الصنارة بحسب ظاهره إطعام وإحسان وما يقصد به إلا اصطياد سمكة، ومثل النية السيئة أعمال البر التي تغطي مقاصد السوء.
3 -إثم أمراض القلوب وخطرات النفس:
أمراض القلوب وخطرات النفس كثيرة، على رأسها النفاق والحسد والحقد والعجب والكبرياء والرياء والنجوى والوساوس وسوء التأويل لأقوال المسلمين وأعمالهم والأماني الضالة، وحب الرئاسة والميل للإضرار بالخلق، وإيثار الدنيا على الآخرة، وهي كلها هم وغم حزن وضائقة نفس في الدنيا، ومحاسبة في الآخرة، سواء ظهرت آثارها في تصرفات المرء وأقواله وأفعاله أم لم تظهر. قال صلى الله عليه وسلم: ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) البخاري ومسلم
وقال تعالى:
- (لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) البقرة 225.
- (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه) البقرة 284.
ولئن استدل بعضهم على نسخ المحاسبة فإن مذهبهم ضعيف، لأن في الآية وعد ووعيد وذلك لا يحتمل النسخ الذي يعد هنا خلفا وبداء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. إلا أن من نفى النسخ اشترط للمحاسبة أن تكون خطرات النفس مصحوبة بالاعتقاد والعزم، وبغير هذا تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن ربكم رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشر إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت واحدة أو يمحوها، ولا يهلك على الله إلا هالك ) سنن الترمذي وسنن الدارمي والمعجم الكبير.
ومع ذلك فإن من يشغل قلبه بأمراضه ونجواه، وإن لم يصاحب ذلك عزم واعتقاد يكون قد ضيع مكسبين، أولهما أجر شغل النفس بالخير والفضيلة، وثانيهما راحة البال والسكينة اللتان تملآن القلب المطمئن إلى ربه الخالي من الأمراض.
قال صلى الله عليه وسلم عندما سئل: أي الناس أفضل؟: ( كل مخموم القلب صدوق اللسان ) قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: ( التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ) ابن ماجه بإسناد صحيح.
كما حذر من أمراض القلوب قائلا:
- ( دب فيكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) البزاز بإسناد صحيح والبيهقي.
- ( إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ...) البخاري ومسلم.
4 -إثم الجوارح ظاهرا وباطنا:
الجوارح مفردها جارحة، من جرح واجترح بمعنى اكتسب وعمل، مجاز من معناه الأصلي الذي هو جرح السيف ونحوه، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ) الأنعام 60، وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) الجاثية 21.