ومنه لفظ"الجوارح"بمعنى السباع والطير التي تستعمل للصيد، لأنها تجرح لصاحبها، أي تكسب له، واحدتها جارحة؛ ومن المجاز أيضا الجوارح بمعنى أعضاء الإنسان وعوامله، لأن بها يكسب الخير والشر؛ وهي السمع والبصر والفم واللسان واليد والرجل والفرج. فإن استعملت في العبادة والخيرات والمباحات كانت السلامة والأجر الحسن، وإن استعملت في المحرمات والمكروهات ومخلات المروءة كان الإثم والندم؛ واستعمالها في الإثم عادة يبدأ صغيرا ومتخفيا مادام المرء محتفظا ببعض حيائه، ثم تنفرج زاوية الجراءة على الله تعالى بالتدريج، وتنسلخ من القلب فطرة استقباح المحرمات والمعاصي والذنوب، فتصير له عادة وسجية، ويرفع عنه الحياء من الله ومن الناس، فيقع في التهتك والمجاهرة إلى حد يفتخر فيه بارتكابها ويحدث الناس بها؛ قال صلى الله عليه وسلم: ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين. قيل يا رسول الله ومن المجاهرون؟ قال:الذي يعمل العمل بالليل فيستره ربه ثم يصبح فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، فيكشف ستر الله عنه ) المعجم الصغير1/378.
إن حماية الجوارح من الآثام خير سبل النجاة بين يدي الله تعالى يوم القيامة، وخير ما يحفظ به المرء سلامة جسده ويوفر به لنفسه الراحة والطمأنينة والسعادة في الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم:
- ( من يضمن ما بين لحييه وما بين رجليه تضمنت له بالجنة) البخاري ومسلم.
- ( اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم ) أحمد وابن حبان في صحيحه.