فهرس الكتاب

الصفحة 9770 من 27345

الفوائدُ الإيمانية للسَّفَر د. محمد عمر دولة*

الحمد لله الذي جعلَ الدنيا سَفَرًا ومَعْبَرًا، والآخرةَ مُقامًا ومُستَقَراًّ، والصلاة والسلام على خيرِ مَن ترك الدِّيارَ وخاضَ الأسفارَ وتحدَّى الأخطارَ وقطعَ الفيافي والقِفار؛ إرضاءً للعزيزِ الغفار، وعلى آلِه الأطهارِ وصَحابتِه الأخيارِ وسلَّم تسلِيمًا كثيرًا.

أخي المسافر الحبيب.. السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد، هذه خَواطري أُهدِيها إليك.. ومَشاعِري في حالِ السفرِ أسُوقُها إليك بِعُجَرِها وبُجَرِها.. لعلَّها تُذهِبُ عنك هَمَّ السفر بل هي خَواطِرُك أنت أيها المسافرُ أُسامِرُك بها؛ فهي منك وإليك؛ فافتَحْ لها قلبَك.. لتِسَافرَ إلى مَرافىءِ السَّعادة ومَنازلِ الأحِبَّة:

بَكَيتُ إِلى سِرْبِ القَطا حينَ مَرَّ بِي ** فَقُلتُ وَمِثلي بِالبُكاءِ جَدِيرُ

أسِرْبَ القَطا هَلْ مَن مُعِيرٍ جَناحَهُ ** لَعَلِّي إلى مَن قد هَوِيتُ [1] أطِيرُ [2]

أسألُ الله العظيمَ ربَّ العرشِ الكريم أنْ يُهَوِّنَ عليك سَفرَك هذا.. ويطوِيَ عنك بُعْدَه، وأنْ يُحقِّقَ لك أمَلَك الذي ترجُوه، ويُبلِّغَك قصدَك الذي تصبُو إليه.. ويُزَوِّدَك البِرَّ والتقوى، وأنْ يرُدَّك إلى أهلِك سالِمًا غانِمًا.

وإني أستَسْمِحُك أيها الحبيبُ في حديثٍٍ قصيرٍ.. أسألُ الله عزَّ وجلَّ أن يجعلَه سَمَرًا مُثْمِرًا وبُستانًًا مُزهِرًًا، كما قيل:

أتاك حديثٌ لا يُمَلُّ سَماعُهُ ** حَبِيبٌ إلينا نَثْرُهُ ونِظامُهُ

إذا سَمِعَتْه النفسُ زال عَناؤها ** وزال عن القَلبِ الْمُعَنَّى ظَلامُهُ

فبِالكلماتِ تُطوَى المسافاتُ.. وبالأشعارِ تُقطَعُ الأسفارُ، وقد كان العربُ يَعُدُّون الأحاديثَ في الأسْفارِ زادًا ومُعِينًا؛ فيقولُ أحدُهم لصاحبِه في أولِ السَّفرِ يحُثُّه على السَّمَر:"تحملني أم أحملك؟"يريد: تحدِّثني أو أحدِّثك. وكأني أسمعك الآن يا صاحِ.. ولسانُ حالِك يقول:

خَفِّفِ السَّيْرَ واتَّئِدْ يا حادِي ** إنَّما أنتَ سائقٌ بفُؤادي

يا سَمِيري رَوِّحْ بِمَكَّةَ رُوحي ** شادِيًا إنْ رَغِبْتَ في إسْعادي

آهِ لو يَسْمَحُ الزَّمانُ بعَوْدٍ ** فعَسَى أنْ تعُودَ لِي أعْيادي

وقد روى البخاري رحمه الله من حديثِ سلمة بن الأكْوَع رضي الله عنه قال: خرجتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسِرْنا ليلا فقال رجلٌ من القوم لعامر: يا عامِرُ ألا تُسْمِعُنا؟) وعند ابن إسحاق من حديث نَصر بن دهر الأسلمي أنه سمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول في مَسِيرِه إلى خيبر لعامِر بن الأكْوَع وهو عم سَلَمة بن الأكْوَع: (انْزِلْ يا ابنَ الأكْوَع؛ فاحْدُ لنا مِن هُنَيهاتِك) [3] ؛ قال ابنُ حَجر رحمه الله:"ففي هذا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرَه بذلك". [4] و"في رواية أحمد: (فجعل عامر يرتجز ويسوقُ الرِّكاب) ، وهذه كانت عادتهم إذا أرادوا تنشِيطَ الإبلِ في السَّيرِ: ينزلُ بعضُهم فيُسُوقُها ويحدو في تلك الحال". [5]

وما زال الكتابُ للمُسافرِ نِعْمَ المسامِر، ورَحِمَ الله شوقي حيث قال:

أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتْبِ الصِّحابا ** لَم أَجِدْ لي وافِيًا إِلا الكِتابا

صاحِبٌ إِنْ عِبْتَهُ أَو لَم تَعِبْ ** لَيسَ بِالواجِدِ لِلصاحِبِ عابا

كُلَّما أَخلَقْتُهُ جَدَّدَنِي ** وَكَسانِي مِن حِلى الفَضلِ ثِيابا

صُحبَةٌ لَم أَشْكُ مِنها رِيبَةً ** وَوِدادٌ لَم يُكَلِّفْنِي عِتابا

رُبَّ لَيلٍ لَمْ نُقَصِّر فيهِ عَن ** سَمَرٍ طالَ عَلى الصَّمتِ وَطابا

فيُسعِدُني أخي الحبيب.. أنْ أكونَ حادِيَك في هذا السَّفر.. وصاحبَك في هذا السَّمر.. وأنْ أستفتحَ بالفوائد الإيمانية للسَّفر.. وما أحلَى السَّمرَ على جناحِ السفر

يا ذاهِبًا حيثُ لا نَدْري لهُ خَبَرا ** تَفِدي لنا ذاهبًا نَدرِي لهُ خَبَرا

يَزيدُ مَرُّ اللَّيالِي في مَوَدَّتِهِ ** كالغُصْنِ يومًا فيومًا طالَ وانتَشَرا

يا أيُّها الرَّاحِلُ الْمَيمُونُ طائِرُهُ ** أَرَى وِدَادَكَ لا يَستَعمِلُ السَّفَرا

لكَ الْمُطَوَّلُ من شَوقِ المُحِبِّ وإِنْ ** كانَ الكِتابُ الذي يُهْدِيهِ مُختَصَرا

فالسَّفرُ يا صاحِ.. ليس مُجرَّدَ رِحلةٍ من مكان إلى مكانٍ.. أو انتِقالٍ في فترةِ محدَّدةٍ من الزمان.. بل الأمرُ أعظمُ نَظَرًا وأكثرُ عِبَرًا.

فالسَّفرُ أيها الحبيب.. يشتَمِلُ على أشواقٍ إيمانيةٍ عظيمةٍ وخواطِرَ ربَّانيةٍ عديدةٍ: منها:

1)التوكُّل على الله عزَّ وجلَّ:

ألا ترى أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد حَثَّ عِبادَه على الأسفارِ؟ (يضربون في الأرضِ يبتغون من فضل الله) . [6] ودَعاهم إلى التوكُّلِ عليه ووَعَدَهم مُراغَمًا كثيرًا وسَعةً، فقال جلَّ جلاله: (ومن يُهاجِرْ في سَبيلِ الله يَجِدْ في الأرضِ مُراغَمًا كثيرًا وسَعَةً ومَن يَخرُجْ من بيتِه مُهاجِرًا إلى الله ورسولِه ثم يُدْرِكْه الموتُ فقد وَقعَ أجرُه على الله وكان الله غفورًا رحيمًا) . [7]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت