قال القرطبي رحمه الله:"اختُلِفَ في تأويلِ الْمُراغَم: فقال مجاهد: المراغم المتزَحزَح، [8] وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم: المراغَم المتحوَّل والمذهَب، وقال ابن زيد: المراغَم المهاجَر، وقاله أبو عبيدة. قال النحاس: [9] فهذه الأقوالُ مُتفِقةُ المعاني؛ فالمراغَم: المذهَبُ والمتحَوَّلُ في حالِ هِجرةٍ، وهو اسمُ الموضِع الذي يراغم فيه". [10] وقال السعدي رحمه الله:"هذا في بيانِ الحثِّ على الهجرةِ والترغيبِ وبيانِ ما فيها من المصالح؛ فوَعَدَ الصادقُ في وَعدِه أنَّ مَن هاجرَ في سبيلِه ابتغاءَ مَرضاتِه أنه يجدُ مُراغَمًا في الأرضِ وسَعةً، فالْمُراغَمُ مُشتمِلٌ على مصالِحِ الدِّينِ، والسَّعةُ على مصالِحِ الدنيا؛ وذلك أنَّ كثيرًا مِن الناس يتوهَّمُ أن في الهجرةِ شَتاتًا بعد الأُلفةِ وفَقرًا بعد الغِنَى وذُلا بعد العِزِّ وشِدةً بعد الرَّخاء. والأمر ليس كذلك". [11]
وقال الرازي رحمه الله:"المشهور أنَّ هذه المراغَمة إنما حصلَت بسببِ أنهم فارقوا وخرجوا عن ديارهم. وعندي فيه وجهٌ آخر: وهو أن يكون المعنى: (ومن يهاجر في سبيل الله) إلى بلدٍ آخر يجدْ في أرضِ ذلك البلد مِن الخيرِ والنعمةِ ما يكون سَببًا لرغمِ أنفِ أعدائه الذين كانوا معه في بلدتِه الأصلية؛ وذلك لأنَّ مَن فارقَ وذهبَ إلى بلدة أجنبيةٍ فإذا استقام أمرُه في تلك البلدة الأجنبية ووصلَ ذلك الخبرُ إلى أهل بلدتِه خجلُوا من سُوءِ مُعاملتِهم معه، ورغمَت أُنُوفُهم بسببِ ذلك. وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه والله أعلم. والحاصل كأنه قيل: يا أيها الإنسانُ إنك كنتَ إنما تكرهُ الهجرةَ عن وَطنِك خوفًا مِن أنْ تقعَ في المشقة والمحنة في السفرِ؛ فلا تخفْ؛ فإن الله تعالى يُعطِيك من النِّعَمِ الجليلة والمراتبِ العظيمة في مُهاجَرَتِك ما يصيرُ سببًا لرغمِ أُنُوفِ أعدائك؛ ويكون سببًا لِسَعةِ عَيشِك وإنما قُدِّم في الآية ذِكرُ رغمِ الأعداءِ على ذِكرِ سَعةِ العيشِ؛ لأنَّ ابتهاجَ الإنسانِ الذي يُهاجِرُ عن أهلِه وبلدِه بسببِ شِدةِ ظُلمِهم عليه بدَولَتِه من حيث إنها تصِيرُ سَببًا لِرَغمِ أنوفِ الأعداءِ أشدَّ من ابتهاجِه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سببًا لِسَعةِ العيشِ عليه". [12]
2)الاستعانة بالله جلَّ جلاله:
ففي السَّفرِ تزدادُ فاقةُ العبدِ إلى مولاة؛ فيُهرَع من غَفلتِه إلى الاستِعانةِ بالله عزَّ وجلَّ، ويظهرُ منه صِدقُ التوجُّهِ إلى الله جَلَّ جلاله بالدعاءِ والتضرُّع؛ فالأسفارُ تزيدُ من شُعُورِ الإنسانِ بالفَقرِ والاضطِرار؛ فيتذكَّرُ قولَ الله عزَّ وجل: (أمَّنْ يُجِيبُ المضطرَّ إذا دعاه ويكشفُ السُّوء ويجعلُكم خُلَفاءَ الأرض أءلهٌ مع الله قليلا ما تذَكَّرون أمَّن يَهدِيكم في ظُلماتِ البرِّ والبَحرِ ومَن يُرسِلُ الرياحَ بُشرًا بين يَدَيْ رحمتِه أءلهٌ مع الله تعالى الله عما يُشرِكون) . [13]
ومَن خَبِرَ الأسفارَ وجرَّبَ ما فيها مِن الأخطارِ؛ عَلِمَ أنَّ العَبدَ أحْوَجُ ما يكونُ إلى الاستعانةِ بربِّه في رَحلاتِ البرِّ والبَحرِ والجوِّ؛ ليقينِه أنه لا يقدِرُ على حِفظِه إلا ربُّ العالَمِين؛ (فالله خيرٌ حافظًا وهو أرحَمُ الراحِمين) . [14] فالمسافرُ يستحضرُ حينَئذٍ قولَ الله عزَّ وجلَّ: (وإذا مَسَّكم الضُّرُّ في البحرِ ضلَّ من تدعُون إلا إياه) . [15] ويتذكَّرُ في تلك الحال قولَه جلَّ جلاله: (قلْ مَن يُنَجِّيكم من ظُلماتِ البَرِّ والبَحرِ تدعُونه تضَرُّعًا وخُفيةً لئن أنْجانا مِن هذه لَنَكُونَنَّ من الشاكِرين قُل الله يُنَجِّيكم منها ومِن كلِّ كَرْبٍ ثم أنتم تُشرِكُون) . [16]
ولله ما أعظمَ سَفرَ العَبدِ مِن حُظوظِ نَفسِهِ إلى الاستعانةِ بربِّه وما أحسنَ ارتحالَه عن دَعواهُ إلى حَولِ الله وقُوَّتِه وقُدرتِه وغِناه حيث يقبلُ على الله عزَّ وجل بكُلِّيَّتِه، مُعْتَرِفًا بِعَجْزِه وضَعفِهِ وفَقرِه، مُتبرِّئًا من حَوْلِه وقُوَّتِه، كما قال ابن القيم رحمه الله:"فأولُ طريقِها أنْ تعرفَ الله وتهتديَ إليه طريقًا يُوصِلُك إليه ويحرقُ ظُلماتِ الطَّبعِ بأشِعةِ البصيرة؛ فيقوم بقلبِه شاهِدٌ مِن شَواهدِ الآخرة فينجذب إليها بكُلِّيتِه ويزهدُ في التعلُّقاتِ الفانية ويدأبُ في تصحيحِ التوبةِ والقيامِ بالمأموراتِ الظاهرةِ والباطنةِ وتركِ المنهِياتِ الظاهرةِ والباطنةِ، ثم يقومُ حارِسًا على قلبِه؛ فلا يُسامِحُه بخطرةٍ يكرَهُها الله ولا بِخَطْرةِ فُضولٍ لا تنفعُه؛ فيصفُو بذلك قلبُه عن حديثِ النفسِ ووَسْواسِها؛ فيُفدَى مِن أسْرِها ويصيرُ طليقًا؛ فحينئذ يخلو قلبُه بذِكْرِ ربِّه ومحبتِه والإنابةِ إليه، ويخرجُ مِن بين بُيوتِ طَبعِه ونفسِه إلى فضاءِ الخلوةِ بربِّه وذِكْرِه، كما قيل:"
وَأَخرُجُ مِن بَينِ البُيوتِ لَعَلَّنِي ** أُحَدِّثُ عَنكِ النَفسَ في السِرِّ خالِيا [17]