فهرس الكتاب

الصفحة 9772 من 27345

فحينئذ يجتمع قلبه وخَواطِرُه وحديثُ نفسِه على إرادةِ ربِّه وطَلبِه والشوق إليه". [18] "

3)الشهادةُ لله بالوحدانيةِ والتفرُّدِ بالنَّفعِ والضُّر:

وفي السَّفرِ إذا أنتَ أمعَنتَ النظر.. شهادةٌ من العبدِ لله ربِّ العالَمِين ـ بلسانِ الحالِ والمقالِ ـ بأنَّه اللهُ الأحدُ الصَّمد الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ ولم يكنْ له كُفوًا أحَد. فالعبدُ المسافرُ الفقيرُ إلى ربِّه يستحضرُ ـ وهو يضربُ في الأرض يبتغي من فضلِ الله ـ وحدانيةَ الله عزَّ وجل وتَفرُّدَه بالإجابةِ واختِصاصَه بالحفظِ والرِّزقِ والنَّفعِ والضُّر ويعلم أنه (ما يَفتحِ الله للناسِ من رحمةٍ فلا مُمْسِكَ لها وما يُمْسِكْ فلا مُرسِلَ له من بعدِه وهو العزيزُ الحكيم) . [19] ويوقنُ بأنَّ مَصِيرَه بين يَدَيْ ربِّه؛ فلِسانُ حالِه: (وإنْ يَمْسَسْك الله بضُرٍّ فلا كاشِفَ له إلا هو وإنْ يُرِدْك بخيرٍ فلا رادَّ لفضلِه يُصِيبُ به مَن يشاء مِن عِبادِه وهو الغفورُ الرحيم) . [20]

ولا عَجبا.. فالعبدُ يشعرُ في السَّفرِ بِقُربِه من ربِّه؛ فيزدادُ يقينًا بأنه لا يحفظُه في هذه الرحلةِ ـ البرِّيةِ أو البحرية أو الجوية ـ إلا الله، ولا يُنجِيهِ من العَطبِ في هذا السَّفرِ إلا الله (أمَّن يُجيبُ الْمُضطرَّ إذا دَعاه) ؛ [21] فهو يَدْعُوه مِن أعماقِ قلبِه خاشِعًا خاضِعًا مُنِيبًا لا يتوجَّهُ إلى غيرِه ولا يرجو سِواه، كما أخبرَ الله عزَّ وجلَّ عن ذلك بقولِه: (ربُّكم الذي يُزجي لكم الفُلك في البحر لتبتغوا من فضلِه إنه كان بكم رحيمًا وإذا مسَّكم الضُّرُّ في البحرِ ضلَّ من تدعُون إلا إياه فلما نجاكم إلى البرِّ أعرضتم وكان الإنسانُ كفورا) . [22] وقال جلَّ جلاله: (وإذا مسَّ الإنسانَ ضُرٌّ دعا ربَّه مُنيبًا إليه ثم إذا خوَّلَه نِعمةً منه نسِيَ ما كان يدعو إليه من قبلُ) . [23]

ولا تسألْ عن قَلبٍ فارقَ جَسَدَه وانفكَّ من قَيدِه وسَافرَ إلى ربِّه صادِقًا مُنِيبًا كما قال ابنُ القيم رحمه الله:"فحينَئذٍ يقومُ القلبُ بين يدي الرحمن مُطرِقًا لِهَيبَتِه خاشِعًا لِعَظَمتِه عانٍ لِعِزَّتِه فيسجد بين يدي الملك الحقِّ المبينِ سَجدةً لا يرفعُ رأسَه منها إلى يومِ المزيد؛ فهذا سَفرُ القلبِ وهو في وَطنُه ودارُه ومحلُّ مُلكِه؛ وهذا من أعظمِ آياتِ الله وعجائبِ صُنعِه فياله من سَفرٍ ما أبْرَكَه وأرْوَحَه وأعظمَ ثَمرتَه ورِبْحَه وأجلَّ مَنفعتَه وأحسنَ عاقبتَه سفرٌ هو حياةُ الأرواح ومفتاحُ السعادة، وغَنِيمتُه العقولُ والألباب لا كالسفرِ الذي هو قطعةٌ من العذاب" [24]

4)استحضارُ السفرِ إلى الله عزَّ وجل:

ومِن فوائدِِ السفرِ.. أنه يُذكِّرُنا بِسَفَرٍ عظيمٍ جليلٍ.. يغفلُ عنه كثيرٌ من المسافرين في زماننا إنه أخي الحبيب.. السَّفرُ إلى الله عزَّ وجلَّ، فقد قال جلَّ جلاله: (فَفِرُّوا إلى الله إنِّي لكم منه نذِيرٌ مُبِينٌ) ، [25] قال البخاري رحمه الله:" (ففِرُّوا إلى الله) : مَعناه مِن الله إليه". [26] وقال الرازي رحمه الله:"فلا دافِعَ للحاجاتِ إلا هو، ولا مُعْطِيَ للخيراتِ إلا هو؛ فعند مُشاهَدَةِ هذه الحالةِ يَفِرُّ العَبدُ مِن نفسِه ومِن كلِّ شيءٍ سِوى الحق؛ فيُشاهِد في هذا الفِرارِ سِرَّ قولِه: (فَفِرُّوا إلى الله) ". [27] و"عادةُ المديونِ [28] أنه إذا رأى صاحِبَ الدَّيْنِ من البُعْدِ فإنه يَفِرُّ منه؛ والله الكريم يقول: عبادي أنتم غُرَمائي بِكَثرةِ ذُنوبِكم؛ ولكنْ لا تفِرُّوا منِّي، بل أقول: (فَفِرُّوا إلى الله) ؛ فإنِّي أنا الذي أقضِي دُيُونَكم وأغفرُ ذُنُوبَكم" [29] وقال ابن الجوزي والشوكاني رحمهما الله:" (فَفِرُّوا إلى الله) بالتوبةِ من ذُنوبِكم". [30] وقال القرطبي رحمه الله:"قال سَهلُ بن عبد الله: فِرُّوا مما سِوى الله إلى الله". [31]

وقد قال عزَّ وجل حِكايةً عن خليلِه إبراهيم إمام الحنيفية عليه الصلاة والسلام: (وقال إني مُهاجِرٌ إلى ربي إنه هو العزيزُ الحكيم) . [32]

وما أحسنَ ما قاله الزمخشري وهو يتوجه إلى المجاوَرَة في مكة المكرمة:

يا من يُسافرُ في البلادِ مُنقِّبًا ** إنِّي إلى البلدِ الحرامِ مُسافِرُ

إنْ هاجرَ الإنسانُ عنْ أوطانِه ** فاللهُ أولَى مَن إليه يُهاجَرُ

وتجارةُ الأبرارِ تلك ومَن يَبِعْ ** بالدِّينِ دُنياهُ فنِعْمَ التاجِرُ

خرَّبْتُ هذا العُمْرَ غيرَ بَقِيةٍ ** فلعلَّنِي لكِ يا بَقِيَّةُ عامِرُ [33]

فليتك أيها المسافِرُ الحبيب.. تتذكرُ أنك مُسافرٌ إلى ربِّك الرحمنِ.. طائعا تائبًا لِمَولاك.. الذي آتاك من كلٍّ ما سألتَه.. وأجابك إلى كلِّ ما دَعَوْتَه؟ والذي يقولُ في كتابِه: (قلْ يا عِباديَ الذين أسرَفُوا على أنفُسِهم لا تقنَطُوا مِن رحمةِ الله إنَّ الله يغفرُ الذنوبَ جميعا إنه هو الغفورُ الرحيم وأنِيبُوا إلى ربِّكم وأسلِمُوا له مِن قبلِ أنْ يأتِيَكم العذابُ ثم لا تُنصَرُون) . [34]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت