فهرس الكتاب

الصفحة 13458 من 27345

تفسير سورة المرسلات

الجمعة 13 شعبان 1397 / 29 تموز 1977

( 3 من 4 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

وقفنا معكم في الجمعة الماضية عند مطالع سورة المرسلات ، ووجدنا أن من اللازم أن نتعرف على بعض خصائص أسلوب القرآن الكريم في عرض القضايا والمشكلات ومعالجتها ، ولما كنا بصدد الوقوف فترة طويلة جدًا عند أسلوب التخييل والتمثيل واستحياء المشاهد وعرضها على الناس مفعمة بالحركة والحيوية يقرأها القارئ في كتاب الله أو يسمعها من أفواه الآخرين فيحس أنه أمام مشهد حي واقعي تنفعل معه أحاسيسه وتتجاوب معه مشاعره ويتحرك من أجل ذلك عقله ، فوجدنا أن من الضروري أن نتحدث عن حكمة استخدام هذا الأسلوب في القرآن الكريم ومجال استخدامه ومدى قدرة الناس على الاستفادة من هذا الأسلوب .

وبالرغم من حديثنا حول هذه القضية قد أثار عند بعض الإخوة شيئًا من الإشكالات فأحب أن أقول إن الذي يطلب منا أن نوضح كل شيء بحيث يصبح مفهومًا لجميع مستويات الناس يطلب المستحيل . إن طبيعة الموقف هنا لا تسمح بعرض كثير من الأمور على نحو مدرسي بحت ، وإن على كل أخ يحضر الجمعة أن يحضرها وهو يدرك جيدًا أن عليه قسطًا كبيرًا من الواجب تجاه المهمة التي يقوم بها الخطيب وهي أن يشارك بفكره وأن يقدم ما يستطيع من جهده من أجل الوصول إلى فهم أفضل ، زد على ذلك أنني قلت مرارًا أن ثمة أمورًا يجني عليها التبسيط لأن التبسيط يخرجها إلى حد الإسفاف والابتذال ، ولأنها بطبيعة تكوينها غير قابلة لهذا التبسيط .

إن المسألة التي وقفنا عندها معظم الوقت في الجمعة الماضية مسألة تتعلق بالخصائص الذاتية لهذه اللغة الشريفة التي نزل بها القرآن الكريم ، وأحسب أنه سيمضي زمن طويل قبل أن يحصّل الناس تلك الملكة العزيزة النادرة التي كان يتحلى بها العرب والتي كانت تعينهم على الفهم الصحيح والإدراك الصائب لخصائص الكلام المنزل من ربنا جل وعلا .

واليوم أريد أن أمضي مع السورة ملامسًا رؤوس القضايا أو القضية التي تثيرها بفروعها وشعبها ، غير غافل عن ضرورة التنبيه مقدمًا إلى أن الذي يدفعنا إلى وقفات قد تطول في بعض الأحيان عند بعض الظاهرات في الحركة أو أسلوب المعالجة أو القضايا ، لا بد أن نطيل الوقوف عندها لأنها ستشغل حيزًا كبيرًا جدًا . لا أدري لعلكم تذكرون أنني قلت لكم وأنا أتحدث عن سورة الطارق إن الدعوة الإسلامية ابتداءً من هذا التاريخ دخلت طورًا جديدًا كانت القضية من قبلُ مهاترات ومجادلات بالباطل ونظرة أناس إلى الدعوة يحسون بالاستكبار وأن هذه الدعوة غير جديرة بالاهتمام ، لكنه ابتداءً من سورة الطارق فإن الدعوة بدأت تواجه المشكلات الحقيقية المتعلقة بصميم عملية البناء ، ومنذ سورة القارعة وإلى الآن وإلى مرحلة تالية قد تطول فنحن سنرود من عالم الغيب مساحات شاسعة ، وقلت في الجمعة الماضية إن أسلوب التخييل والتمثيل وإحياء المشاهد استخدم في القرآن على وجه الخصوص في ميادين عالم الغيب لأن هذه الميادين هي التي تنجع فيها الأسلوب من هذا القبيل .

ونحن سوف نواجه هذه المشكلات منذ الآن ، ولاحظوا كيف تتفرع قضايا الغيب بعضها على بعض ، في القارعة وما وليها كان الكلام على يوم الآخر يشبه أن يكون مجردًا ، وحتى جاءت سورة القيامة فعرضت قضية يوم الآخر بشواهدها وأدلتها وأساليبها المختلفة ، لكن الناس هم الناس في كل زمان ومكان بالرغم من أننا لاحظنا خلال سياحتنا الطويلة منذ بداية التنزيل وإلى الآن أن الله تعال لا يترك مناسبة إلا ويجلو أمام أنظار الناس طبيعة العوامل التي تصرفهم عن الاقتناع بالحقيقة والتزام الحقيقة والوقوف مع الحقيقة والدفاع عنها ، الإنسان الغارق بالشهوات ، والمبتلى بالمنكرات ، الإنسان الذي لم يتحرر بعد من عبوديته لذاته بما تمور به من مطامع وأهواء ، هذا الإنسان لا يزال في حد غير العبودية لله تعالى ، ولا يزال غير قادر على أن يملك أسباب التحرر الذاتي الذي هو الشرط الذي لا غنى عنه لسلامة النظر والحكم ولتحديد المواقف .

إن الإسلام كما رأيتم خلال المسيرة الماضية كلها أكد على موضوع الوحدانية منذ أول حرف نزل من القرآن ، وشدد على موضوع عبودية الإنسان لله تعالى ، هل معنى ذلك أن الله يريد أن يرهق الإنسان بأثقال هذه العبودية وبتكاليفها ، أبدًا ، ليس الأمر على هذه الشاكلة ، وإنما الهدف كله يتركز في أمر بسيط ، إن الإنسان كما نراه يعيش على الطبيعة وبصورة ميدانية إنسان موزع النفس ومشتت القلب ومبدد التفكير ، وبالتالي مهدر الطاقة ، أي أنه كائن لا يستخدم الفاعليات الموجودة فيه استخدامًا على قدر معقول من التفاؤل ، فهو بهذه المثابة إنسان يعطل عن عمد وإصرار قوى وطاقات وإمكانات مفروض أن تخدم الغاية العليا التي نزل القرآن وجاءت هذه الدعوة لتأكيدها بين الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت