فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
حين شدد الله جل وعلا على ضرورة أن يخلع الإنسان من عنقه كل ما يشده إلى أغراض الحياة وكل ما يوزع نفسه ويشتت فكره ويبدد أهواءه وطاقاته ليحصرها في الله تعالى فمعنى هذا أن الإسلام يريد أن يبلغ بالإنسان ذروة الحرية . إن الإنسان الذي يدين لله فقط بالعبودية هو وحده الإنسان الحر ، حرية كاملة وصحيحة غير منتقصة ، وهو أيضًا إنسان يسود نفسه ويملك نفسه ، ولا تستعبده نفسه ، ولا تضغط عليه شهواته . فهو إذًا أمام الحقيقة بدون ضغوط يستطيع أن يلتزم بها أو أن يقتنع بها وأن يفي لها وأن ينافح من أجلها حتى النهاية . غير هذا الإنسان لا يصلح . قد يصلح في أي مكان تضعه فيه من هذه الدنيا ، لكنه في ميدان الدعوة وفي ميدان الله تعالى وفي ميدان الإسلام إنسان لا يصلح بتاتًا .
لكن المشكلة ليست في أن يقرّ بالمبدأ من حيث هو مبدأ ، وحتى الذين يعبدون الحجارة والذين يدعون مع الله آلهة أخرى ما زعموا أن هؤلاء يخلقون ويرزقون ولكنهم قالوا: شفعاؤنا عند الله ، قالوا: أبناء الله وبناته ، قالوا: شركاء الله ولكن في مرتبة أدنى . فأصل القضية مقرر عند وعند المؤمن ، والمعضلة ليست هنا ، المعضلة أن تعرف حقًا ما هو هذا الله الذي تعبده ، وما هو قدرته وما هو جبروته ، وما مكانه من هذا الكون ؟ إذا استقامت لك الفكرة عن الله تعالى فأنت إذًا على باب التوحيد ، وإذا لم تستقم لك الفكرة في الله تعالى فأنت إذًا بعيد عن التوحيد .
هذا على صعيد النظرية ، لكن على صعيد التطبيق وهو ما يسهل عليكم ملاحظته وإدراكه ، حينما يعرض لك أمران أحدهما لله والآخر للدنيا ، أحدهما للدين والآخر للهوى والشهوة والطمع وسائر الجواذب الأرضية الأخرى .. فإذا كنت شجاعًا قادرًا على أن تمتحن نفسك فذلك هو الميزان ، إذا أنت آثرتَ مرضاة الله واخترتَ قضية الإسلام ووقفت مع حدود الدين فأنت في باب الإيمان ، وإذا قهرتك نفسك وصرعتك شهواتك وتركت أمر الله جانبًا وانقدتَ لما سوى ذلك فأنت خليق بك أن تبكي على نفسك ، لأنك فوق على أنك إنسان ناقص التفكير فأنت إنسان يمارس على نفسه تضليلًا بالغ الخطورة لأنه سيدمر نفسك تدميرًا كاملًا .
إن موضوع القيامة حينما أُثير أُشير في سورة القيامة بالدلائل والشواهد الكافية ، ولكن حينما يأتيك إنسان لا يعرف عن الله جل وعلا الصفات الواجبة للإله التي يجب إثباتها لله جل وعلا فالأمر يصبح مشكلة ، وليست المسألة مسألة عامية وغير عامية ، أي ليست المسألة مسألة جهل وثقافة ، فنحن لدينا الآن وبعد هذه المسيرة الطويلة من تاريخ الجنس البشري ومن تجاربه الكبيرة والكثيرة والمختلفة الأصقاع والأزمان لدينا ما يشهد على ضلال الفكر تؤدي إلى ارتباكات لا نهاية لها .
الفلاسفة القدامى وهم قيمة الفكر الإنساني بلا ريب ولهم في مجال التفكير إبداعات ما تزال حتى الآن شاهدة على عظمة الإنسان وعلى جبروته وعلى مدى ما يستطيع أن يبلغه هذا الإنسان . لكن الإنسان ما لم يكن له مدد من الله تعالى فهو لا بد أن يسقط لأنه ضعيف مغلوب على أمره:
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده