فهرس الكتاب

الصفحة 18300 من 27345

أ. د. عماد الدين خليل 21/6/1427

إن الحديث عن محاولة النقد الذاتي، أو تعديل الوقفة، أو تقديم البدائل الأكثر فاعلية وجدوى، أو طرح مقترحات عمل .. إلى آخره .. لن تأخذ مسارها الصحيح بالضرب على غير هدًى، ولابدّ ـ أولًا ـ من معرفة طبقات أو محاور الجهد الإسلامي وهي، إذا أردنا أن نبدأ بالأكثر عمومية، تأخذ الترتيب التالي:

1-المستوى الحضاري: الأمة والعالم.

2-المستوى السياسي: الدولة والسلطة.

3-المستوى الدعوي: القطر.

4-المستوى الاجتماعي: المدينة.

5-المستوى السلوكي والشعائري: الفرد.

وهي مستويات يفضي بعضها إلى بعض ويقوم أحدها على الآخر، كما أنها لا تعمل بمعزل عن الأخريات، فهي تنطوي في اللحظة الواحدة على السياقات كافة. لكن البؤرة الأساسية لكل مستوى تتمركز عند الحضاري حينًا، وعند السياسي أو الدعوي حينًا آخر، وعند الاجتماعي أو السلوكي أو الشعائري حينًا ثالثًا.

في الإسلام والنشاط الإنساني عمومًا ليس ثمة فواصل أو جدران نهائية في الفاعلية.. هذه مسألة معروفة، لكن التخصص له أحكامه ولابد ـ ابتداء ـ من إدراك مركز الثقل في الفاعلية وهدفها الأساس في ضوء خارطة نستطيع بوساطتها أن نحيل كل مفردة أو مقترح إلى مستواها النوعي، ثم نتحدث عن أهميتها ودورها في الإضافة أو التعديل، وصوغ معالجتها التي تمكنها من تجاوز الأخطاء، والمضي إلى الهدف بأكبر قدر من الفاعلية، والاقتصاد في الجهد والزمن.

إننا في ضوء هذه الخارطة سنحدد هدف الجهد ابتداءً، فلا يتداخل أو يتميع أو يضرب في التيه. وسواء كان هذا الجهد درسًا يُعطى أو محاضرة تُلقى أو مقالًا يُكتب أو بحثًا يؤلف، وسواء كان تبادلًا في الرأي أو حوارًا، فإن الذي يقوده إلى هدفه ويحميه من الهدر والتشتت والضياع إنما هو تحديد المحور الذي يتحرك فيه، أو المستوى الذي يتعامل مع بعض ظواهره ومفرداته، هل هو المستوى الحضاري؟ أم السياسي؟ أم الدعوي أم الاجتماعي أم السلوكي أم الشعائري؟

والذي يحدث في كثير من الأحيان أن يتداخل الحضاري بالدعوي، والسياسي بالاجتماعي، وتختلط الأوراق، وتضيع البؤرة التي يتحتم أن يتمحور عندها الجهد لكي يكون أكثر فاعلية وعطاءً ..

هذه هي واحدة من البوابات التي دخل منها الاضطراب؛ فضيع على الإسلاميين الكثير من الجهد والزمن، وجعلهم يدورون ـ أحيانًا ـ في حلقة مفرغة؛ إذ ما يلبثون أن يجدوا أنفسهم، بين فترة وأخرى، عند نقطة البداية.

وعلى سبيل المثال فإن"المشروع الحضاري"الذي تدعو إليه بعض المؤسسات والجماعات الإسلامية، ينطوي على فضاء واسع قد يمتد إلى العالم كله، فيتعامل معه بمنطق الصراع أو الحوار الحضاري الذي يتطلب إدراكًا لقوانين الحركة التاريخية، وصيرورة الحضارات، ويسعى لاكتشاف عناصر القوة والضعف في هذه الحضارة أو تلك، وإلى الميزات الجوهرية لحضارة الإسلام التي تؤهلها؛ لأن تكون البديل المرتجى، ليس على مستوى جغرافية الإسلام وحده، وإنما على مدى العالم كلّه، تلك الميزات الخصبة المتنوعة من مثل: الرؤية التوازنية لهذه الحضارة بين الوحي والوجود، والمادة والروح، والعدل والحرية، والفرد والجماعة، والعقل والوجدان.. وسائر الثنائيات الأخرى. ومن مثل قدرة هذه الحضارة ـ بخلاف سائر الحضارات المندثرة ـ على التجدّد والانبعاث انطلاقًا من شبكة تأسيساتها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

إن مشروعًا كهذا ينطوي على فضاء عالمي يمثل جهدًا يختلف في طبيعة توجهه مع أي جهد دعوي محدّد تمارسه هذه الجماعة أو تلك، وهذا الفرد أو ذاك، في دائرة حيّ أو مدينة أو قطر أو بيئة جغرافية، كما أنه يختلف عن أي جهد اجتماعي يستهدف إقامة بعض المؤسسات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الترفيهية التي تحكمها قيم الإسلام وضوابطه. وهو يختلف بالضرورة ـ كذلك ـ عن أي نشاط سياسي قد يعتمد هذه الفرصة (الديمقراطية) ـ إذا جاز التعبير ـ أو تلك، ورفع خطابه وتأكيد مصداقيته أمام الجماهير، والتقدم خطوات إلى الأمام.

صحيح أن هذه الأنشطة، بدءًا من حجر الزاوية ونقطة الانطلاق المتمثلة بإعادة صياغة السلوك، والالتزام التعبّدي، بما يجعل الفرد مهيّأً تمامًا للمراحل التالية، مرورًا بالأنشطة السياسية أو الدعوية أو الاجتماعية .. إنما تؤول جميعًا إلى هدفها الحضاري الشامل وتصبّ في البؤرة الواحدة التي تستهدف إعادة صياغة السعي البشري في هذا العالم، بما يريده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

إلا أن هذا المنطوق التكاملي في الجهد يجب ألاّ يسوق الإسلاميين إلى تداخل الرؤية واضطراب الحلقات، وعدم تبيّن الحدود الممكنة للجهد الإسلامي في هذا المجال أو ذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت