فهرس الكتاب

الصفحة 18301 من 27345

إننا إذا استطعنا ـ منذ البدء ـ أن نحدّد طبيعة الجهد، أو أن نحيله إلى مستواه المحدّد على خارطة العمل: حضاريًا أو سياسيًا أو دعويًا أو اجتماعيًا أو سلوكيًا .. قدرنا على الوصول إلى الهدف بأقل قدر من الإسراف في الطاقة والزمن، وبالتركيز الضروري الذي يعطي ثمارًا أكثر نضجًا.

لا يتسع المجال للدخول في المزيد من التفاصيل، وقد تكفي هذه التأشيرات العامة من أجل تبيّن موضع أقدامنا في كل حلقة من حلقات الجهد الإسلامي، وإحالة هذا الجهد إلى دائرته الحقيقية لكي يتسلسل العمل وفق برنامج مرسوم، يبدأ بأعمق نقطة في وجدان الإنسان الفرد لكي يمضي إلى العالم كلّه مبشرًا بمشروعه الحضاري البديل.

والآن .. فإن هذا ـ بإيجاز شديد ـ هو أحد وجهي"المشكلة"، ويبقى هناك الوجه الآخر الذي لا يقل أهمية، والذي مارس ـ هو الآخر ـ دورًا خطيرًا في عرقلة الجهد الإسلامي وتفتيته، وربما تضييعه.

فإذا كانت المعضلة في الوجه الأول تنطوي على اضطراب في حلقات التسلسل العمودي الصاعد للجهد الإسلامي الذي يبدأ بالفرد، وينتهي بالمشروع الحضاري، فإن هذه المعضلة ـ في الوجه الآخر ـ تبدو في غياب أو اضطراب المنظور الأفقي، وضياع خرائط العمل المحكم الذي يضع في حساباته وهو يعاين المنظور، تغاير البيئات، بكل ما ينطوي عليه مصطلح البيئة من مفردات ومواصفات، وبالتالي ملاحظة اختلاف المطالب والحاجات وصيغ العمل بين بيئة وأخرى.

إن المقتل الأشد خطورة، كان عبر القرن ونصف القرن الأخير، يتمثل في عدم الالتفات إلى هذه الحقيقة. والبداية الصحيحة تكون ها هنا: إن الجهد أو النشاط يجب أن يضع نصب عينيه مواصفات البيئة التي يتحرك فيها وينسج خيوطه .. فإذا كانت بيئة ما تصلح للنشاط الديموقراطي أو السياسي، فإن بيئة أخرى قد تتطلب، في لحظة تاريخية محدّدة، نشاطًا جهاديًا أو تربويًا أو علميًا أو عقليًا أو اجتماعيًا .. أو حتى روحيًا صرفًا ..

إن التاريخ لا يُقاس بالمسطرة والبركال، والحركة التاريخية تستعصي على الأسر في نمطية محدّدة .. والتعامل مع البيئات كلها كما لو كانت"حالة واحدة"، بغض النظر عن موقعها في الزمن أو المكان ، يتناقض ـ ابتداء ـ مع منهج الدعوة وطرائقها في عصر الرسالة حيث يُلاحظ أن صيغ العمل في العهد المكي هي غيرها في العهد المدني. بل إنها في العهد المكي نفسه كانت تتعامل مع اللحظة التاريخية بصيغ مختلفة، فكانت هناك سنوات العمل السرّي، والنشاط المعلن، واعتماد الهجرة الموقوتة وسيلة للتخفيف عن الضغط وحماية الذات. كما أن العهد المدني شهد هو الآخر، إلى جانب أو بموازاة الخط الجهادي العام، وخط بناء الدولة الإسلامية، تغايرًا في صيغ العمل؛ فكان هناك التحالف المرحلي، والصلح الموقوت، والإعلان العام لتصفية الوجود الوثني .. إلى آخره ..

لقد اجتازت الدعوة الإسلامية في عصر الرسالة مراحل شتى بدءًا ببناء الإنسان المسلم، مرورًا بإقامة دولة الإسلام، وانتهاء بصياغة التأسيسات الأولى لشبكة الشروط الحضارية التي وضعت الجماعة والأمة المسلمة قبالة العالم، بخصائصها المتميزة وفاعليتها التي مكنتها عبر عقود معدودة من الزمن أن تصوغ حضارتها الخاصة بها.

وما لم ننصت جيدًا لنداء اللحظة التاريخية، ونتابع بوعي وتبصّر عميقين مواصفات المكان .. ما لم ندرك ابتداء أن الحركة التاريخية تنطوي دائمًا على الثابت والمتحوّل معًا،

وأن علينا أن نضع في المنظور كلا القطبين، فإننا سننزلق ـ شئنا أم أبينا ـ إلى مواقع الخطأ والهدر، وسنحكم على أنفسنا ـ كرة أخرى ـ بالدوران في الحلقة المفرغة، حيث العودة بين حين وآخر إلى نقطة البداية.

إن العديد من الحركات الإسلامية أخفقت، أو تباطأت حركتها على أقلّ تقدير؛ لأنها لم تلتفت إلى هذه الحقيقة، أو لم تعرها اهتمامًا كبيرًا، فمضت لكي تتعامل بمنطوق الإعداد التربوي مع وضع تاريخي يتطلب جهادًا.. أو أعلنت الكفاح المسلح في وضع يتطلب إعدادًا تربويًا .. أو نزلت تحت الأرض في بيئة تسمح لها بالعمل في الهواء الطلق .. أو كشفت عن نفسها في ظرف يعد فيه الانكشاف انتحارًا.. أو اصطرعت مع خصومها سياسيًا بينما كان الأمر يتطلب نشاطًا تثقيفيًا أو دعويًا صرفًا، أو انعزلت في وقت يكون فيه العمل الجبهوي فرصة جيدة.

وثمة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مؤشرات وضوابط غنية تؤكد ثقل المتغيرات التاريخية وضرورة التعامل الحذر معها، يمكن الاكتفاء بشواهد محدودة منها في موجز كهذا:

1-الآيات القرآنية الخاصة بالتقابل العددي.

2-حرب السرايا في بدء العصر المدني والحروب النظامية فيما بعد.

3-السرية المطلقة في فتح مكة، وإعلان النفير العام وكشف الهدف، في تبوك، واعتماد قادة احتياطيين في مؤتة، وأسلوب الشورى في بدر وأحد، والانفراد بالرأي في الحديبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت