الكاتب: الشيخ د.سلمان بن فهد العودة
يحفل التاريخ البشري بمشهد عدوان الإنسان على أخيه، منذ قصة ابني آدم المذكورة في سورة المائدة، في القرآن الكريم:"فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ".
ويؤكد السياق الحكم بالخسار وبالندم على القتلة، فيتحصل عقوبتان:
أحدهما: شرعية وهي الخسار، ويتضمن القصاص والذم في الدنيا والعقوبة الأخروية:"فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" [النساء:93] .
والثانية: قدرية وهي الإحساس العظيم بالذنب، وتقريع الضمير بعدما تنطفئ فورة الغضب، ويعود الإنسان إلى هدوئه وتفكيره وعقله.
والقتل يتم أحيانًا للصراع على الدنيا والمصالح والمال والنساء والسلطة، ولذا كان ابن السماك يقول: لولا ثلاث لم يقع حيف، ولم يرفع سيف؛ سلك أنعم من سلك، ووجه أصبح من وجه، وطعام أطيب من طعام!
وهذه قضية قائمة، يجتهد المخلصون في حصارها وتخفيفها بالتربية والتوجيه والإصلاح، وتسعى الأنظمة والدول إلى ذلك بالعقوبات والردع والمحاسبة.
بيد أن أشد صنوف القتل عدوانًا هو ما يقع من بعض المتحمسين غلطًا وافتياتًا على الشريعة.
هو الأشد؛ لأنه يستخدم الدين الذي جاء للعدل وحماية الحياة وحفظ الضروريات الإنسانية في نقيض هذا المقصد العظيم، ويضع شريحة من الذين يفترض فيهم حفظ الدماء وحقنها في موضع المباشرين للجرم العامدين إليه المتجرّئين عليه.
وهو الأشد؛ لأنه عصي على الإصلاح، أو يقرب أن يكون كذلك، فالقاتل لعصبية أو طمع أو دنيا إذا تليت عليه آيات الله، وسيقت إليه أحاديث رسوله المبلّغ -صلى الله عليه وسلم- في تعظيم شأن الدم، وشدة العقوبة على القاتل في الدنيا والآخرة ارتعدت فرائصه إن كان من المؤمنين، واضطرب وخاف، وهذا يورث الندم، والندم طريق التوبة والإقلاع.
أما القاتل بذريعة شرعية موهومة؛ فهو متلبس بشبهة أمْلَتْها النفس الأمارة بالسوء، وزينها الشيطان، وحرسها الجلساء والمساندون، ودعموها بزخرف من القول لا حقيقة له حتى عمي صاحبها عن سواء السبيل، وصدّ عن الكتاب المنزّل، فهان عليه أن يتبرم بالنص أو يلوي عنقه بحشو كلام، لا يقبله القائل ذاته لو سمعه من غيره في أتفه المسائل.
وقد يندهش بعض الناس من شجاعة هذا القاتل، وهي- لعمرُ الله- شجاعة جاهلية، ولَأَبو جهلٍ كان أشدَّ شجاعةً في بدر حين جُندِل صريعًا يتشحّط في دمه، ويرى الموت عيانًا... ثم يسأل: لمن الدائرة اليوم؟!
ويعيّر صاحبَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابن مسعود فيقول: لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رويعي الغنم!
وكل خُلق لم يحكم بقيم الإسلام وضبطه؛ فهو إلى إفراط أو تفريط.
إن استهداف أماكن التجمع العامة التي يأوي إليها الناس جميعًا؛ كالأسواق والفنادق والقطارات وسواها لهو غاية في السوء والجراءة، ففيها المسلم العابد المصلي، وفيها عابر السبيل، وفيها المسلم العاصي الذي لم يعطك الله الإذن بقتله، وفيها الكافر المعصوم الدم