فهرس الكتاب

الصفحة 6562 من 27345

د. سامي بن إبراهيم السويلم 23/9/1424

أثارت موجة التفجيرات الأخيرة في الرياض كثيرًا من التساؤلات: ما هي الأسباب؟ وما هي الحلول؟.

إذا رجعنا إلى القرآن العظيم؛ فلن يكون عسيرًا أن نمسك بخيوط المشكلة.

إن مجتمعنا -ولله الحمد- يدين بالتوحيد، ولا توجد دعوة تناقض هذا المبدأ، ظاهرًا على الأقل. وإذا كان كذلك فلننظر في الانحرافات الأخرى، وأيها يمكن أن يؤدي إلى هذا الوضع.

إن الاضطراب وانعدام الأمن قرين الحرب، فما هي المعصية التي توعدها الله تعالى بالحرب؟.

لن نجد صعوبة في الجواب عن هذا السؤال، إذ ليس في القرآن ذنب توعد الله أهله بالحرب سوى ذنب واحد: الربا. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) . ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله:"إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئًا أشر من الربا، لأن الله أذن فيه بالحرب." (الجامع لأحكام القرآن 3/364) .

لقد تطاولت قلاع الربا في بلادنا، واستفحلت الديون الربوية، حتى صار الاقتصاد بأكمله رهنًا للمرابين. وتجاوزت الديون الحكومية 600 مليار ريال، تدفع عليها فوائد سنوية تتجاوز 30 مليار ريال. ولمن تذهب هذه الفوائد؟ لا نحتاج إلى قدر كبير من الفطنة لندرك أنها تذهب للمتخمين بالمال الذين لم يجدوا أفضل من إقراضه بربا. إن 30 مليار سنويًا كفيلة بحل معظم المشكلات التي يعاني منها المجتمع، لكنها بدلًا من ذلك تذهب لجيوب المرابين الذين لا يزيدون الاقتصاد إلا وهنًا وضعفًا. فالربا حيثما كان وأينما وجد، نزيف في الاقتصاد ونذير شؤم على البلاد.

والربا لا ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة للإسراف والتبذير والإنفاق غير المشروع. ولهذا وصف الله -تعالى- المبذرين بأنهم (إخوان الشياطين) ، ووصف المرابين بأنهم (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) . فالتبذير والربا متلازمان، ولهذا كان كلاهما قرين الشيطان.

والربا بدوره لا يؤدي إلا إلى مزيد من التبذير والإسراف. فتتضاعف المشكلة، وتتفاقم البطالة، وتزداد الهوة بين الفقراء والأغنياء، وترتفع حدة التوتر بين فئات المجتمع بشكل مخيف. ولا أمل في الخروج من هذه الدوامة إلا بالعودة الصادقة إلى الله، والحد من مظاهر الإسراف، واستئصال الربا من جذوره.

ما هو أسوأ من الربا

إذا كان الربا هو شر الذنوب؛ لأن الله تعالى آذن أهله بالحرب، فما هو الأسوأ من الربا؟

إنه التحايل على الربا والتلاعب بأحكام الشرع ليظهر الربا المحرم بمظهر البيوع المشروعة. إن اليهود قد أكلوا الربا صراحة، ومع ذلك لم يعاقبهم الله على ذلك في الدنيا بعقوبة عاجلة. لكنهم لما احتالوا على صيد الحيتان يوم السبت مُسخوا قردة، كما قال تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) . لماذا يمسخون على الاحتيال على صيد الحيتان، ولا يمسخون على أكل الربا؟، مع أن الصيد أهون بكثير من الربا؟ لأن التحايل على شرع الله أعظم إثمًا وأشد جرمًا من المعصية المجردة. فالتحايل على المعصية استحلالٌ لها، والاستحلال أشد بمراحل من الوقوع في الذنب دون استحلال.

وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" [رواه ابن بطة بإسناد جيد] . فهذا نصٌ صريح أن التحايل على المحرمات استحلالٌ لها.

ويدل على ذلك أيضًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"ليشربنّ ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يُعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير" [رواه مسلم] . وذكر في الحديث الآخر:"ليكونن من أمتي أقوام يستحلّون الحر والحرير والخمر والمعازف"ثم قال:"فَيُبَيّيتَهم الله ويضع العلَم ويمسخ منهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة" [رواه بهذا اللفظ ابن ماجه بإسناد حسن] . فدل مجموع الحديثين على أن استحلال الخمر كان بتسميتها إياها بغير اسمها، وهذا من التحايل بلا ريب، كما يقول شيخ الإسلام [بيان الدليل في إبطال التحليل: ص63] .

فهذا يدل أيضًا على أن التحايل على المحرمات تعجل عقوبته في الدنيا، وأنه أشد وأسوأ من الوقوع في المحرم بلا تحايل. ولهذا قال أيوب السختياني رحمه الله:"يتلاعبون بالله تلاعب الصبيان. لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون علي".

فإذا كان الربا سببًا للحرب على الله ورسوله، فما ظنك بالتحايل عليه، أليس أولى بالحرب والنكال المعجل في الدنيا قبل الآخرة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت