فهرس الكتاب

الصفحة 10376 من 27345

الحداثة تعني عند أربابها شرعية المرحلة الأخيرة من التطور كمنطلق إلى ما بعدها دون مرجعية قيمية أو دينية أو ما أشبهها باعتبار أنها تحمل شرعيتها في ثناياها من منطلق الحداثة وكفى .

وفي اعتقادنا أن الفهم المعاصر لقضايا المرأة في الإسلام لا يمكن أن يتم بغير فهم حدود التماس والتداخل القائم بينها وبين قضايا المرأة الحداثية المستوردة من الغرب ، ومن ثم كان لابد من طرح الموضوع في سياقه الاجتماعي والتشريعي والحضاري العام حول وضع المرأة في المجتمعين: الإسلامي والغربي ، وبتعبير صريح: المرأة بين حقائق الإسلام وأباطيل الغرب ، وهي لاشك من قضايا الساعة الساخنة التي يظن أعداء الإسلام أنهم ينفذون منها إلى حصون الإسلام ليقضوا عليه.

وعندما نضع شئون المرأة هكذا: بين يدي الحقائق تأتي من الإسلام والأباطيل تأتي من الغرب فما ذاك إلا لأن وضع المرأة في الإسلام هو وضع أتانا من الله ، وإذن فإن كل ما يقرره لها الله هو الحق ، لأن الله هو الحق ، ولأنه وهو يضعها حيث يشاء يفعل ما هو حقه من حيث كونه المبدع الحق ، ويبين ما هو حق لها من حيث كونه العدل بحق ، ويبين ما هو حق عليها من حيث كونه الملِك بحق .

أما وضع المرأة في الغرب فهو وضع البشر ، ومن هنا فإن الكثير مما يقرره لها البشر هو بالبداهة باطل ، لأن البشر هنا دخيل على موضوع لا يملكه: لا يملكه معرفة ، ولا يملكه صناعة ، ولا يملكه عدلا ، ومن ثم كان الكثير مما يقرره لموضوعه - الذي هو المرأة - لا مفر من أن يصدر في منطقة الباطل .

نعم لقد حصل - حتى في تراثنا القديم - هذا الانتقال من سعة الحق في الإسلام إلى ضيق المنافذ البشرية بدعوى سد الذرائع أمام الفتنة ، وانحرفت النظرة إليها وإلى طبيعتها نتيجة لذلك ، إننا يجب أن ندرك ما يمكن أن تصل إليه الأمور تحت أسلوب المبالغة في توقع الفتنة وسد الذرائع بتطبيقه الأعرج ، لأنه بهذا التطبيق ينقلب على نفسه بتوليد مفاسد أعظم .

أسلوب سد الذرائع بغير شروطه وما يقتضيه من أفق شامل للرؤية والموازنة لا يلد إلا انفجارا ، وانفلاتا إلى الطرف النقيض الذي آل إليه في المجتمع المعاصر ، مسلما كان أو غير مسلم .ولم يصر المجتمع الأوربي المعاصر إلى ما صار إليه في شئون المرأة إلا بعد أن وصل إلى أقصى الغايات في التضييق على المرأة ثم فيما جره ذلك من تحقيرها ، وظلمها ، والقضاء على إنسانيتها . إننا بهذا التضييق لما وسعه الله نتابع قانون المجتمع الأوربي في منطوقه العام - مهما تدرعنا بالنقاب - وهو قانون المادة في الفعل ورد الفعل .

نعم أليس المجتمع الأوربي هو الذي ضرب الرقم القياسي فيما ابتدعه من حزام العفة ؟ أليست هي أوربا التي بالغت في سلوك هذا الطريق ، فوقع المجتمع الإنساني كله - بعد أن انفصل عن هدي الله - في حلقة مفرغة من قانون الفعل ورد الفعل ؟ والانتقال من النقيض إلى النقيض ؟ وهو قانون المادة الذي رضيه المجتمع الأوربي لنفسه ، ومارسه بطوعه ، وانحرم فيه من عنصر الإرادة الفاعلة ؟‍

هل أصبح قدرا علينا أخيرا أن ننتقل وراء أوربا من النقيض إلى النقيض من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، أومن أقصى الطرف هنا إلى أقصى الطرف هناك ، فيحكمنا بذلك قانون رد الفعل بدون تعقل أو بصيرة ؟ فالغلو في التحريم كالغلو في الإباحة حيلة شيطانية تدفع للغواية والعصيان في نهاية المطاف.

وهذا ما حدث عندما غلا المجتمع الإسلامي في التحريم من باب نظرة قاصرة إلى مبدأ سد الذرائع ، فانفلت عيار المجتمع وتلقفته مصاريع أبواب الغرب التي كانت مفتحة أمامه هناك ، وانغلقت أبواب الدعوة ، وانغلقت بذلك أبواب انتشار الإسلام كبديل لحضارة منهارة ، كما انغلقت أبواب تطبيق الشريعة بدعوى واقع منفرلأنظمة وجماعات وحركات إسلامية أخذت تطبق نظرتها إلى المرأة من باب سد الذريعة وخوف الفتنة ، فمنعتها من التعليم كما منعتها من العمل ، فوقعنا في الفساد الأعظم من حيث أردنا التوقي من الفساد الأقل فخرقنا مبدأ سد الذرائع نفسه وأهدرناه .

إنه إذا كان لابد من اختلاف في المسائل التي لم يرد فيها نص قطعي أو إجماع صحيح فاتركونا نختلف لصالح الدعوة: لصالح الدفاع عن الإسلام ، وفتح الآفاق أمامه مرة أخرى .

وقواعد الفقه غنية بما يمكن النظر فيه من أجل أن تتحرك الحركة الإسلامية على قاعدة من الوفاق العملي ، وإن اختلفت الأحكام النظرية - في المدى البعيد - في بعض الحالات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت