لو علم المختلفون في المجال الإسلامي عمق المعركة التي يتعرض لها الإسلام من خلال موقع المرأة في المجتمع ، وهي المعركة التي كان مؤتمر بكين الذي عقد عام 1995 - على ضجته ، ودوليته وعالميته التي أحرزها - مجرد ذؤابة جبل الجليد المستتر بجسمه وحجمه الحقيقي تحت الماء ..لو علموا ذلك للملموا أوراقهم ، وهرولوا للوقوف في صف واحد ، يذودون عن الإنسانية ، وعن الدين ، وعن المجتمع ، وعن الإسلام ، جميعا ، ضد عوامل الضلال والتدمير التي تطل برأسها من خلال العولمة ، والعصرنة ، والحداثة ، والفكر الحديث ، والثقافة الحديثة ، والحضارة الحديثة ، بل من خلال بروتوكولات حكماء صهيون - التي تمثلها أمثال الكاتبة اليهودية شولاميت فاير ستون في كتابها"جدلية الجنس"ومؤتمر بكين ، وهيئة الأمم المتحدة ، - والتي لا تحتاج إلى دليل على صدورها عن الصهاينة أقوى مما يجري على الساحة اليوم .
وإنا لنضم إلى خصوم الإسلام هؤلاء - في سوء الأثر- أطفالا يجتهدون !! وعلمانيين يجتهدون ، ومتكلفين ، ومرائين ، تمتلئ بهم ساحة الفتوى: ممسوخين بظاهرة الهزيمة الحضارية والمبادرة إلى التزييف من ناحية ، أو التعصب والتشنج من ناحية أخرى ، والمسارعة إلى قذف الآخر بأخطر التهم وأشنعها مما لا محل له في هدي الإسلام ، ولا مكان له في هدي السلف الصالح .
لقد تبين لكل ذي عينين المدى الواسع الذي ذهب إليه الإسلام في تكريم الإسلام للمرأة وفي تمكينها من الحياة الكريمة - مما بيناه في مقام آخر وتكفلت به موسوعة جليلة بعنوان"تحرير المرأة"للأستاذ عبد الحليم أبو شقة يرحمه الله - كما تبين إلى أي حد أننا بإسلامنا في غنى عمن يدلنا على قيمة المرأة في المجتمع الإسلامي .
إننا في غنى عن الدفاع عن موقف الإسلام من المرأة بدروع ممزقة ملطخة من دروع الثقافة الأوربية أو القاسمية أوالبيكينية أو الحداثية .
نشير هنا إلى معالم البيئة التي ظهرت فيها دعوات تحرير المرأة المعاصرة ، تلك التي تنصب لنا على كل قارعة ، وتصل إلى مؤتمر بكين: هدفا حضاريا ، علينا أن نعمل للوصول إليه.
هنا نلقي نظرة - نستغني معها عن حاسة الشم - على المستنقع الذي يراد لنا أن نغترف منه، تجري فيه الحركة وفقا لقانون المادة الغاشمة:"فعلا"و"رد فعل".
إذا ذهبنا إلى الجذورلنسجل"الفعل"- ولابد من ذلك وإن كنا نستهدف في النهاية المرأة الحداثية فهذه الثمرة لابد من تلك الجذور - نجد:
أن المرأة كانت عند اليونان من سقط المتاع تباع وتشترى في الأسواق ، وكان رد الفعل على ذلك أن انتشرت عبادة أفروديت ، وأصبحت مواخير الدعارة ذات شأن عظيم ، وصارت مراكز للعبادة .
وعند الرومان كان عقد الزواج يسمى"اتفاق السيادة"سيادة الرجل على المرأة ، ثم انفلت العيار - كرد فعل - إلى النقيض ، فتورمت قضية المرأة ، وانفلت معها عيار الفحش ، والعري ، والاستحمام المختلط العاري ، والمسرحيات العارية المختلطة ، ، والفن العاري.
واعتبرت المرأة في التراث اليهودي رأس الرجس ، والنجس ، ومنبع الخطايا ، ، وفي حال الحيض تعتبر نجسة ، نجاسة عينية فلا يجالسها أحد ولا يؤاكلها أحد ، وكانت لا ترث إذا كان لها إخوة ذكور .
وتبنت الكنيسة الغربية نظرة اليهود إلى المرأة ، وأصبحت مشغولة بقضية المرأة: هل لها روح مثل الرجل ؟ وهل هي من جنس الإنسان ؟ أم من جنس آخر ؟ وظلت هذه المشكلة قائمة إلى ما بعد القرن السادس الميلادي ( 586 ) م ، حيث قرر مؤتمر كنسي: أن المرأة إنسان ، وليست بحيوان ، ولكنها خلقت مع ذلك للاستخدام في مصالح الرجل .
يقول الواعظ المسيحي الشهير تريليان وهو يتحدث عن النساء: ( كل منكن"حواء" [هكذا] أنتن باب الشيطان ، أنتن الآكلات من الشجرة ، أنتن أول من خالف الشريعة الإلهية ) . وزعموا أن هذا هو كلام الله الذي يدخل في صلب العقيدة .