إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون . يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما . أما بعد ،،، فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار . معاشر المسلمين: يقول الحق تبارك وتعالى في سورة إبراهيم عليه السلام: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ، وذكرهم بأيام الله ، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: أي ادعهم إلى الخير ؛ ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى وبصيرة ألإيمان . وذكرهم بأيام الله ، أي: بأياديه ، ونعمه عليهم ، في إخراجه إياهم من أسر فرعون ، وقهره وظلمه وغشمه ، وإنجائه إياهم من عدوهم ، وفلقه لهم البحر ، وتظليله إياهم بالغمام ، وإنزاله عليهم المن والسلوى ، إلى غير ذلك من النعم ، قال ذلك مجاهد ، وقتادة ، وغير واحد . وأورد ابن جرير رحمه الله تعالى حديثا موقوفا في قوله تعالى: وذكرهم بأيام الله . قال: بنعم الله تبارك وتعالى . قال: وقوله: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . أي: فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون ، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين ، لعبرة لكل صبار ، أي: في الضراء ، شكور ، أي: في السراء ، كما قال قتادة: نعم العبد ، عبد إذا ابتلي صبر ، وإذا أعطي شكر . أيها المسلمون: من هذا الباب ، وتأسيا بموسى أذكر نفسي وأذكركم بأيام الله تعالى ، أذكركم بأياديه ونعمه ، كما ورد الأمر من الله تعالى بذلك في غير ما آية من كتابه الكريم ، كما قال جل وعلا: واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا . وقال تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به . ألا وإن أعظم نعمة أنعم الله بها علينا أن هدانا للإسلام ، وأنزل علينا القرآن ، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . وحقا وصدقا: والله لولا الله ما اهتدينا ، ولا تصدقنا ولا صلينا . فما كانت هدايتنا للدين القيم ، بذكاء منا ولا رجاحة عقل ، فهذا الحكم بن هشام ، سيد قومه ، وأرجحهم عقلا ، لم يعد يعرفه الناس إلا بأبي جهل ، وانظروا حال عتبة بن ربيعة ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، وأبو لهب ، فإنهم قد جاءهم أعظم نبي ، وأفضل الرسل ، وخير الدعاة ، صلى الله عليه وسلم ، وأوتوا فصاحة وبلاغة ، وعزا ونسبا ، وجاها ومالا ، فلم يفدهم ذلك شيئا إذ لم يوفقوا للهداية . ولم نقلب صفحات الزمن الغابر ، وأمام أعيننا آلافا من العقلاء ، والبلغاء ، والأدباء ، والفصحاء ، والوجهاء ، وأكابر أهل الدنيا من العلماء ، أضلهم الله فلم يهتدوا سبيلا ، فترى عالم ذرة ، أو حاذقا في طب أو كيمياء ، أو مرجعا في علوم الفضاء ، تبينت له آيات الله في نفسه ، وفي الكون حوله ، ولكنهم كانوا قوما بورا ، وما زادتهم آيات الله إلا نفورا . ومن يضلل الله فما له من هاد . وإلا فالعجب كل العجب من عاقل يسطر البحوث ، وينشر العلم الدنيوي ، ومن ثم يعبد بقرة ، أو صنما ، أو بشرا أو ملكا ، لا يملك لهم رزقا من السموات شيئا ولا يستطيعون . فالحمد لله ، ثم الحمد لله ، ثم الحمد لله ، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما ، وملء ما شاء ربي بعد ، على نعمة الإسلام . أيها المسلمون: بهذه النعمة العظيمة نقلنا الله تعالى من ظلام الكفر الدامس إلى نور الهدى الساطع ، ونقلنا بها من عمى الجهل الفاضح ، إلى بصيرة العلم النافع . بها تبدل تفرقنا والاختلاف إلى اجتماع وتآخ وائتلاف . فأصبحنا بفضل الله وبرحمته أمة متآلفة قلوبها ، متحدة أهدافها ، مجتمعة كلمتها ، منتظمة صفوفها ، ربط بين أواصرها دين متين ، وصراط مستقيم ، فسارت على هديه ، وسلكت سبيله ، فسادت ، وعلت رايتها ، وارتفعت هامتها ، فلم تحن رأسا لغير الله ، ولم تخش أحدا إلا الله ، ففتحت الأمصار ، ونشرت العدل والحق في جميع الأقطار . وثبت قوله عليه الصلاة والسلام: إن الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها . رواه مسلم . ومصداق ذلك قوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون .