فهرس الكتاب

الصفحة 26148 من 27345

كان صلوات الله وسلامه عليه في شوق لافح, ولهفة مشوق للقاء الروح الأمين (نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين ) ينتظره ليزيل غمته, ويفرج كربته ... ليحل المعضل, وينير السبيل يسابقه ويبادره, ويحرك شفتيه متعجلا مخافة أن يفوته شيء من القرآن وإنه عليه لحريص, وبه مشغوف, وله وامق . فإذا بالقرآن يتنزل عليه ناهياً واعداً ( لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرآناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه ) وفي سورة طه نقرأ قوله المبارك ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى اليك وحيه وقل رب زدني علما ) كل هذا يدلك على مكانة القرآن عند من تنزل عليه القرآن , إنه قرة عينه, وثمرة فؤاده ... آمن به, ودعا اليه.... عاش به وجاهد في سبيله ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فالرسول صلى الله عليه وسلم موصوف بأنه يؤمن بالله , ويؤمن مع إيمانه بالله بكلمات الله , ولقد حمله ذلك الإيمان الذي لا يتزعزع بكلمات الله إلى قراءتها وتلاوتها آناء الليل وأطراف النهار ولا سيما وهو المأمور بذلك أمراً من ربه , ومعلوم أن أمر ربه ممتثل, وقوله نافذ (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ً. ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً ) لقد كان صلوات الله وسلامه عليه قواما بآيات ربه , قيل له ( يا أيها المزمل . قم الليل إلا قليلاً . نصفه أو انقص منه قليلا . أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً ) فقام صلوات الله وسلامه عليه ...قام مشمرا جاهداً مجتهداً ... قام حتى انتفخت قدماه تورّماً ...فقيل له , فقال (أفلا أكون عبداً شكوراً) .

لقد علم أن ذلك القول الثقيل لا ينفع معه إلا الجد و التشمير و الجهاد:

كميش الإزار خارج نصف ساقه ** صبور على الضراء طلاع أنجد

علم أن ذلك القول الثقيل لا يجدي معه استرخاء وتكسل وتبطل , فقال قولته التي طارت في الآفاق وسارت بها الركبان ( لقد مضى زمن النوم يا خديجة ) ... نعم مضى زمن النوم ... مضى زمن النوم ليحل محله يقظة واعية, ووعي حذر ... وشتان بين زمن وزمن, وعهد وعهد, وحياة وحياة.

ويا بعد ما بين قبل نزول القرآن, وبعد نزول القرآن إنه بعد لا يقاس, ومسافة لا تنقطع. كان صلوات الله وسلامه عليه يتحين الفرص, ويتعرض للنفحات (فإذا دخل العشر الأواخر من رمضان شدّ المئزر, وأيقظ أهله وأحيا ليله ) وشدّ الإزار لا يفعله إلا الرجال قال حسان:

إذا لم يسد قبل شد الإزار ** فذاك الذي عندنا لا هو

وهو بعد كناية عن الجد و الاجتهاد و المضاء , إذ أن سبل الإزار و إرخاؤه دليل على الدعة و الراحة والاسترخاء , ولا دعة و لا راحة ولا استرخاء ولا سكون مع دعوة يقودها القرآن ويحدوها الفرقان.

ولقد كانت تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن, وتأثره بتلاوته مدعاة للفخر و الإعتزاز واسمع أبا هريرة رضى الله تعالى عنه يقول في الحديث الصحيح: (إن أخاً لكم لا يقول الرفث- و الرفث الفاحش من القول - إن أخاً لكم لا يقول الرفث ) يعني عبد الله بن رواحة الأنصاري مادح رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهيد مؤتة قال:

وفينا رسول الله يتلو كتابه ** إذا انشق مكنون من الفجر ساطع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ** به موقنات أن ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه ** إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

نعم , إنها الصفة التي مدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لممدوح: ( كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه) , جاءه نابغة بن جعدة ينشد قصيدة رائية:

بلغنا السماء مجدنا وسناءنا ** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

فيقول له الرسول الكريم في لطف ولين: ( إلى اين يا أبا ليلى ؟) فيقول أبو ليلى في حصافة و لباقة: ( إلى الجنة بك يا رسول الله ) فيدعو له الرسول الكريم قائلا ( لا يفضض الله فاك) ويشير من كلمته تلك إلى الصفة آنفة الذكر فيقول: (ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا)

نعم , إنه النور الذي يتلو النور ( فآمنوا بالله ورسوله و النور الذي أنزلنا و الله بما تعملون خبير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت