قالت - أم سلمة - فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم"."
"قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا -: لا تفعل فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا , قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد".
"قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا فأرسلْ إليهم فسلْهم عما يقولون فيه".
وهكذا تفتقت عبقرية عمرو بن العاص عن مكيدة قاتلة للمسلمين لولا أن هيأ الله لهم وجود ذلك الملك العادل , إذ إن اعتقاد المسلمين في عيسى عليه السلام مناقض تمامًا لما عليه النصارى في دينهم المحرف , حيث يعتقد المسلمون أنه عبد الله ورسوله , ويعتقد النصارى أنه ابن الله تعالى , وحينما علم المسلمون بذلك اشتد عليهم الأمر وعظم كربهم حينما أرسل إليهم الملك ليسألهم عن اعتقادهم في عيسى عليه السلام .
"قالت - أم سلمة - فأرسل إليهم ليسألهم عنه , قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط , فاجتمع القوم , ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ؟ قالوا: نقول والله ماقال الله تعالى وماجاءنا به نبينا كائنًا في ذلك ماهو كائن".
وهكذا اجتمع الصحابة وتشاوروا في الأمر , وتساءلوا عما يقولونه للنجاشي إذا سألهم عن ذلك , وقد أجمعوا على أن يقولوا له ماقال الله تعالى وماجاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم كائنًا في ذلك مايكون , وهذه هي المرة الثانية التي يجتمعون فيها ويتشاورون ثم يُجمعون على رأي واحد .. فلله درهم ما أعلى تربيتهم , وما أقوى إيمانهم , وما أعز نفوسهم !
لقد صبروا قبل ذلك في مكة على قهر الطغاة وإذلالهم وتعذيبهم , فهل هاجروا منها إلى الحبشة ليغيِّروا شريعة الله لمجرد مساءلة ستكون بينهم وبين النجاشي ؟! وليُفتَرض أنه سيقتلهم , أو في أحسن الأحوال سيسفِّرهم من بلاده , فإنهم قد استعدوا لتحمُّل كل ماينتج عن قول كلمة الحق كائنًا في ذلك مايكون .
وهكذا يكون الإيمان القوي ... وهكذا تكون الاستقامة .
"قالت - أم سلمة -: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم ؟ قالت: فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم , ويقول: هو عبد الله ورسوله وروحه ( [1] ) وكلمته ( [2] ) ألقاها إلى مريم العذراء البتول ( [3] ) ".
"قالت: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: والله ماعدا عيسى بن مريم ماقلت هذا العود".
"قالت: فتناخرت ( [4] ) بطارقته حين قال ما قال , فقال: وإن نخرتم والله , اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم: الآمنون - مَنْ سبكم غرم , ثم قال: من سبكم غرم , ثم قال: من سبكم غرم , ما أحب أن لي دَبْرًا ( [5] ) من ذهب وأني آذيت رجلا منكم ."
ثم قال: ردوا عليهما هداياهما - يعني مندوبي قريش - فلا حاجة لي بها , فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه , وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه .
"قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ماجاءا به , وأقمنا عنده بخير دار , مع خير جار".
وهكذا نطق هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم بالحق ولم يخافوا في الله لومة لائم , ولم يساوموا في أمور دينهم , ولم يداهنوا مع أنهم في موقف الضعف , وقد نزل بهم هذا الأمر العظيم الذي أهمهم وأقلقهم .
وبهذا تبين لنا من هذا الخبر كيف كان المسلمون الأوائل يتعرضون للأذى والكيد من اعدائهم, وكيف كان سلوكهم في مواجهة الكيد , إنهم لم يكونوا يستسلمون لأعدائهم ويداهنونهم, وفي الوقت نفسه لم يكونوا يقاومون بالقوة والعنف وحالهم لاتسمح لهم بذلك , بل كانوا يقاومون بالصبر على الأذى مع عرض ما يدعون إليه بالبيان الرائع الذي يمتلك القلوب, ويجبر كل متجرد من الهوى الجامح على أن يميل إليهم ويعطف عليهم .
ولقد كانوا في كل محاوراتهم مستسلمين لله تعالى مفوضين إليه أمرهم فيما يكون من نتائج, حيث لم تكن هذه النتائج تشغل بالهم , وإنما الذي كان يشغل بالهم هو أن يوفقوا في عرض الإسلام كاملًا نزيهًا كما جاء من عند الله تعالى , وهم يؤمنون أنهم ومن يحاورونهم في قبضة الله تعالى , وأنه قادر على أن يسخر لهم خَلْقَه ليتم بهم نصر الحق وتأييد دعاته .