عبد الحميد الكبتي
( الطرق الصوفية في أفريقيا حاضرها ومستقبلها )
ذاك عنوان لندوة عالمية عقدت في ليبيا الحبيبة تحت رعاية الجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية بزليتن ، بالتعاون مع مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية في الفترة من 22- 24 الحرث 2005 م ، ولكون مجال تقديم البحوث يشق أحيانا ، لظروف المكان ، أو للشروط غير الموضوعية ، فإن المشاركة تكون صعبة المنال ، وحرصا مني على توضيح صورة هذا العلم"التصوف"ولو في عدة أسطر ، أقدم هذه المشاركة ، عل الله أن ينفع بها ، وقد سميتها ( الصوفية وموضوعية الفهم والتعامل ) .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، ثم الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين ..
ثم أما بعد ...
فمن الأمور التي زَلَّت فيها الأفهام ، وأخطأت فيها التعاملات ، قديما وحديثا ؛ مسألة التصوف ، وتعامل معها الناس إما بولاء تام وتبرير غير علمي ، وإما بنبذ واتهام وشطط بعيد عن منهج السلف الصالح ، رضوان الله عليهم ، وقليل من أنصف وعدل وأقام الميزان الحق في هذا الأمر .
· منذ بداية عصر النبوة وقضية الأسماء والمسميات تصاحب حركة التاريخ الإسلامي ؛ للتمييز بين الطوائف بعضها عن بعض ، وبين مراتب الرجال وسبقهم وعطائهم ، وكان القرآن الكريم يستخدم الأسماء والأوصاف للغرض نفسه ؛ ففرق القرآن بهذه التسميات بين المهاجرين والأنصار ، وبين من هاجر من قبل الفتح وقاتل ومن هاجر بعد الفتح .. وتتابع الأمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وورد في خطابه عليه الصلاة والسلام هذا الأمر ، ولعل مثالًا واحدًا يكفي ؛ ففي قوله عليه الصلاة والسلام: ( لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) "1"دليل واضح .
ثم تتابع ذلك على مدار التاريخ الإسلامي وحتى أيامنا هذه ! ، فنجد اليوم جماعات إسلامية ومؤسسات عاملة لهذا الدين تجعل لنفسها اسما ، لنفس الغرض ، وما نحن بصدده من مصطلح"الصوفية أو التصوف"إن هو إلا أنموذج من هذه التسميات ، والذي ظهر في القرون الثلاثة الأولى ، المشهود لها بالخيرية ! . يقول أبو القاسم القشيري ـ وهو من أعلام التصوف ـ:
( اعلموا ـ رحمكم الله تعالى ـ أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية عَلم سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لا فضيلة فوقها ، فقيل لهم الصحابة ، ولما أدركهم أهل العصر الثاني تسمى من صحب الصحابة بالتابعين ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين الزهاد والعبّاد ، ثم ظهرت البدع ، وحصل التداعي بين الفرق ، فكل فريق ادَّعَى أن فيهم زهادا ، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف ، واشتهر الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة ) "2".
وبغض النظر عما يحمله كلام القشيري من تزكية ابتداء للصوفية ، فإن المقصود من نقل كلامه هو طبيعة خروج التسميات بشكل عام ، وليس الحكم على التصوف ، وندرك أيضا أن قضية الأسماء والمسميات تحكمها ظروف وملابسات حتى يضع أهل ذلك العلم لأنفسهم تسمية تميزهم عن باقي الطوائف والمذاهب .
لكن مصطلح التصوف غدا اليوم من الألفاظ المجملة التي تضم صوابًا وخطأ ، وحقًا وباطلا ، لذلك وجب التفصيل قبل التسرع وإصدار الأحكام ، فيمدح إذا أريد به صوابا وحقا ، ويذم إذا أريد به خطأ وباطلا .
والميزان في كلا الحالتين هو كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأويلا ) النساء: 59 .
ويقول سبحانه: ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) هود: 85 .
ويقول عز من قائل: ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) النساء: 58 .
و"لكن عندما ينشب الخلاف ، وتثور العداوات.. يصبح كثير من الناس عاجزًا عن الإبصار بعينين ؛ فهو لا يرى إلا المثالب والمساوئ ، وحين تهب رياح المودة فإن كثيرين أيضا لا يبصرون إلا بعين الرضا ، ومن هنا جاءت دعوة شعيب عليه الصلاة والسلام واضحة صريحة للخلاص من هذه النقيصة ، حين نصح قومه { وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ } "."3"