فهرس الكتاب

الصفحة 26277 من 27345

د. عبد الله الزبير عبد الرحمن*

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدّمنا وما أخّرنا، وما أعلنا وما أسررنا، وما أنت أعلم به منّا. اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم أعنّا ولا تعن علينا، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا، اللهمّ انصرنا على من بغى علينا.

أما بعد..

[1] لا إيمان بلا إذعان للشرع:

لا بدّ أن يُبَيّن للمسلمين على عمومهم، والحكّام منّا على خصوصهم، أنّ أمر الشريعة وتحكيمها أمر دين لا يتحقق الإيمان إلاّ بالإذعان لها والاحتكام إليها، وأنّ موقف المسلم منها حدود وفواصل، إما إيمان وجهاد، وإما كفر وارتداد.

فمما يجب تبيينه: أن الإيمان لا يتحقق أبداً إلاّ بالإذعان لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم مع التصديق، فلو انفرد التصديق لم يتحقق الإيمان، ولو انفرد الإذعان والعمل لم يتحقق الإيمان، فلا بدّ في تحقق الإيمان اجتماع التصديق والإذعان، والقول والعمل، قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليماً) [سورة النساء: 65] .

وهذا من الدين كالمعلوم ضرورة، وأسوق إليك أقوال علماء الأمة ممن سبقونا بالعلم والإيمان رحمهم الله تعالى:

(1) قال البخاري رحمه الله تعالى:"لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أن أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل.." ( [1] ) .

(2) وروى الربيع عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال:"الإيمان قول وعمل" ( [2] ) .

(3) وحكى ذلك الفضيل بن عياض عن وكيع عن أهل السنة والجماعة ( [3] ) .

(4) وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عدي بن عدي:"إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان" ( [4] ) .

(5) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"الكفر عدم الإيمان، سواء كان معه تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض، فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهم كافر" ( [5] ) .

ويقول في موضع آخر:"لا فرق بين من يعتقد أن الله ربه وأن الله أمره بهذا الأمر، ثم يقول إنه لا يطيعه لأن أمره ليس بصواب ولا سداد، وبين من يعتقد أن محمداً رسول الله وأنه صادق واجب الاتباع في خبره وعمله، ثم يسبه أو يعيب أمراً أو شيئاً من أحواله، أو ينتقصه انتقاصاً لا يجوز أن يستحقه رسول، وذلك أن الإيمان قول وعمل" ( [6] ) .

(6) ويقول ابن القيم رحمه الله:"الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صِدْق المخبِر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيماناً؛ لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح، واليهود الذين عرفوا محمداً رسول الله كما يعرفون أبناءهم؛ مؤمنين مصدقين، فالتصديق إنما يتم بأمرين، أحدهما: اعتقاد الصدق، والثاني: محبة القلب وانقياده" ( [7] ) .

(7) وقال القسطلاني رحمه الله في شرح حديث الإيمان في صحيح البخاري:"هو لغة التصديق، وهو كما قال التفتازاني: إذعان لحكم المخبِر وقبوله. فليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول بل هو إذعان وقبول" ( [8] ) .

(8) ويعرّف الكمال بن الهمام رحمه الله الإيمان بأنه:"الاستسلام الباطن والانقياد لقبول الأوامر والنواهي" ( [9] ) .

(9) ويقول ابن أبي العز في شرح الطحاوية:"الكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك لكان كفراً أعظم، فعلم أن الإيمان ليس التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيباً، ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب، فكذلك الإيمان يكون تصديقاً وموافقة وموالاة وانقياداً، ولا يكفي مجرد التصديق"أهـ ( [10] ) .

وهكذا يتأكد أن الإيمان لا يتحقق أبداً إلاّ بتحكيم شرع الله والاحتكام إليه بتصديق وإذعان، ولذلك"فالتولي عن الحكم بالشريعة كالتكذيب بها سواء كلاهما كفر أكبر" ( [11] ) .

[2] إلغاء أحكام الشريعة أعظم جرماً من عدم تحكيمها ابتداءً:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت