الدجال إحدى العلامات الكبرى التي أقامها الله إيذانًا باقتراب الساعة ودنو أجلها ، وهو من أعظم الفتن التي ابتلى الله عباده بها ، حتى شبه النبي صلى الله عليه وسلم فتنة القبر بفتنته ، فقال عليه الصلاة والسلام: ّ ( .. إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريب من فتنة المسيح الدجال ) رواه البخاري . ومما يدل على عظم فتنته أيضًا أن الأنبياء جميعا حذورا أقوامهم منه ، وبالغ النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير منه حتى ظنَّ كثير من الصحابة أنه قريب منهم ، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري .
ولا تكمن فتنته في دعواه الربوبية فحسب ، بل فيما أجرى الله على يديه من خوارق العادات التي اتخذها دليلا على صدق دعواه ، فمما يجري على يديه من الخوارق ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم من أن معه جنة ونارا ، - وحقيقة جنته نار ، وحقيقة ناره جنة - ، وأن معه أنهار العسل والماء ، وجبالًا من الخبز ، وأنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، والأرض أن تنبت فتنبت ، ويأمر الأرض أن تخرج كنوزها فتخرج كأسراب النحل ، ويأتي القوم فيؤمنون به فينزل عليهم المطر ، وتخضر أرضهم ، وتسمن ماشيتهم ، ويأتي القوم فيردون دعوته ولا يصدقون أمره ، فيصابون بالجوع والقحط ، كل ذلك يحصل بإذن الله ومشيئته ابتلاء من الله وفتنة .
غير أن الدجال وإن عظمت به الفتنة ، وزاد به البلاء ، إلا أن الشارع الكريم قد بين أسباب دفع فتنته ،ما يجعل الفتنة به محصورة فيمن فرّط في معرفة شأنه ، أو قصّر في العمل بالأسباب الشرعية التي بينتها الشريعة لدفع شره ، ومن تلك الأسباب:
1-معرفة حاله وصفاته: فقد حرص صلى الله عليه وسلم على تعريف المؤمنين بصفات الدجال الخلقية ، حتى إذا ظهر كانوا منه على بصيرة ، فمن صفاته التي أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأها القارئ والأمي ، وأنه أعور العين اليمنى ، وهو شاب أبيض يميل لونه إلى الحمرة ، وأنه جعد شعر الرأس ، قصير القامة ضخم البنية .
2-معرفة ما يدفع شره من قراءة القرآن والأدعية وغير ذلك .
فقد كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته: ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، ومن فتنة المسيح الدجال ...) متفق عليه ، وأمر صلى الله عليه وسلم بالمواظبة على هذا الدعاء بعد التشهد في الصلاة ، كما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا تشهد أحدكم ، فليستعذ بالله من أربع ، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن شر فتنة المسيح الدجال ) رواه مسلم .
وقد بيّن صلى الله عليه وسلم أن مما يدفع به المسلم عن نفسه شر فتنة الدجال حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف . فقد روى مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال ) .
ومن أسباب دفع فتنة الدجال الفرار منه ، والابتعاد عنه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سمع بالدجال فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات ) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني .
فهذه بعض أسباب الوقاية منه التي بينها الشارع الكريم ما يجعل الفتنة به شبه منعدمة ، - ولا سيما في حق من عرف شأنه ، وتبين له أمره ، بل ربما كان ظهوره سببا في زيادة إيمان العارفين به ، لما يرون من تحقق خبر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجه - لذلك فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن معظم أتباع الدجال هم من الكفرة وجهلة المسلمين .
هذا عن فتنة الدجال وطرق دفعها ، أما عن مدة مكثه ونهايته ، فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن: لبثه في الأرض يكون أربعين يوما ، يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامنا . كما رواه مسلم .
أما نهاية الدجال - التي هي من أعظم الأدلة على كذبه ودجله - فتكون على يدي نبي الله عيسى عليه السلام ، حيث أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه السلام يطلب الدجال عقب نزوله من السماء ، فيدركه عند باب لدٍّ فيقتله . كما ثبت في صحيح مسلم . وباب لد قرية قريبة من بيت المقدس .
هذا هو الدجال - لعنه الله - جعله الله فتنة لعباده ، ليختبر صدق إيمانهم وقوة يقينهم ، وهي فتنة لن ينجو منها إلا من اعتصم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، نسأل الله عز وجل أن يعيذنا من فتنته ، وأن يجيرنا من بليته ، وأن يجعلنا من المعتصمين بشرعه ، والحمد لله رب العالمين .