فهرس الكتاب

الصفحة 9007 من 27345

بقلم: أ. د. عبد الفتاح مصطفى غنيمة

وُلِدَ المأمونُ في عام 170هـ أبوه هارون الرشيد وأمه فارسية ونشأ في حجر الخلافة وتهيأ له من أسباب التربية والتثقيف الكثير، وكانت مظاهر الذكاء والنجابة والبعد عن سفاسف الأمور من أهم سماته .. كما اشتهر بالحزم وحسن التدبير والطموح إلى الكمال، وكان استعداده الفطري أن يكون قائد أمة فقد حبتْه قدرةُ الله فنَ الخطابة وكان جهير الصوت وحسن اللهجة، كما كان على عرفان بشؤون الحياة. وكان حسن التوفيق في اختيار حاشيته وأهل الشورى حوله من ذوي العلم والحنكة، وقد اشتهر أيضًا بالحلم والعفو والكرم والبصر بالسياسة وشغف بالعلم والأدب والحوار الهادف .

كان هذا الخليفة عالمًا من كبار العلماء. مثقفًا واسع الثقافة، يجيد كثيرًا من العلوم يهب العلم وقته ورعايته، كما يهب العلماء عطفه وعنايته .

روى بعضُ المؤرخين:"أن المأمون لما دخل بغداد واستقر فيها ، أمر أن يدخل عليه من الفقهاء والمتكلمين وأهل العلم جماعة يختارهم لمجالسته ومحادثته واختير لمجالسته مائة رجل، ظل يختارهم واحدًا بعد الآخر حتى حصل منهم عشرة"كما كان يسهم مع العلماء في الحوار العلمي، ويستنهض العلماء إلى النقاش الحاد، فأوجد مجالس للمناظرة بين العلماء حيث كانت أسعد ساعات العمر هي التي يستمع فيها إلى الحوار المتبادل في موضوع واحد، وكان العلماء يتجادلون ويتناظرون في شتى المسائل العلمية ويقول بعض المؤرخين:"أراد بعقد هذه المجالس إزالة الاختلاف بين المتناظرين في المسائل الدينية وتثبيت عقائد من زاغوا عن الدين، وبذلك تتفق كلمة الأمة في المسائل الدينية التي كانت مصدر ضعفهم".

ويقول البعض الآخر أنه"أراد أن يجعل مجلسه (محكمة) يتنازع فيها الخصوم: وكان يدلى بحجته والمتنازعون هم العلماء، ثم تحكم المحكمة فيجب أن ينفذ حكمها.. ويجب أن يذعن المتنازع لحكم المحكمة، فلا يقول قائل برأي إلا ما قضت به المحكمةُ..".

وبلغت في عهده الصالونات والمجالس العلمية الذروة.. فوصلت به دولة العلم إلى أوج قوتها. وقويت في عهده حركة النقل والترجمة من اللغات الأجنبية - وخاصة من اليونانية والفارسية - إلى العربية - فأرسل البعوث إلى القسطنطينية لإحضار المصنفات الفريدة في الفلسفة والطب والعلوم التطبيقية والموسيقي .. ولم تكد تلك الذخائر النفيسة تصل إلى بغداد حتى عهد المأمون إلى جماعة من العلماء - منهم"حنين بن إسحاق" (194-264هـ) (809-877م) و"الحجاج بن نصر"و"ابن البطريق" (المتوفى 184هـ - 800م) ، و"قسطا بن لوقا"البعلبكي تُوُفِيَّ حوالي (300هـ - 912م) و"ثابت بن قرة"المتوفى عام (288هـ -900م) وهم يشكلون المرحلة الأكثر تألقًا في حركة الترجمة العربية. في ترجمتها، وكان"قسطا بن لوقا"يشرف على الترجمة من اللغات اليونانية والسريانية والكلدانية إلى العربية، كما كان"يحيى بن هارون"يشرف على الترجمة من الفارسية القديمة .

ويشير"القفطي"إلى تميز"حنين"في الترجمة، وأنه هو الذي أوضح مؤلفات"أبقراط"و"جالينوس"ولخصهما بأفضل السبل، وكشف غموضهما. ويذكر"ابن أبي أصيبعة"أن"حنينًا"قدم تلخيصًا سريانيًا لكتاب"جالينوس"حول العقاقير البسيطة، وأن ترجماته كانت أكثر سلامة لغويًا، وتعطي الانطباع بأنها نتيجة امتلاك سلس وعميق للغة وليست نتيجة جهد قلق. وقد ظهر هذا الأمر في التكييف السهل للأصل اليوناني وفي الدقة المدهشة للتعبير المنتج دون إسهاب .

أما"يحيى بن البطريق"فقد كان يهتم بكل كلمة يونانية ودلالتها، ثم يقدم الكلمة العربية المقابلة لها بالمعنى ويترجمها، ثم يأخذ كلمة أخرى وهكذا تنتهى الترجمة. وتعتبر هذه الترجمة رديئة.. حيث أن الكلمات اليونانية ليس لها كلها مقابل بالعربية وهكذا تبقى كلمات يونانية في اللغة العربية.

وقد ذكر"ابن العبرى"في كتابه مختصر تاريخ الدول، إن"قسطا بن لوقا"أحد مشاهير الأطباء ونقلة العلوم في الإسلام - تبحر في الفلسفة والتنجيم والهندسة والحساب والموسيقي، وكان يجيد اللغة اليونانية وجيد العبارة بالعربية. ولذا فقد نقل كتبًا كثيرة من اليونانية إلى العربية، واشتهر بحسن النقل فصيحًا باللسان العربي واليوناني والسرياني.. ويشير"ماكس مايرهوف"إلى ما نقله"قسطا"، أنه ترجم الكثير من المؤلفات الطبية والرياضية والفلكية كما ترجم إلى جانبها مؤلفات فلسفية نذكر منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت