المحاضرة التالية
المحاضرة السابقة
فهرس المحاضرات
درس في العفة
المحتويات
مقدمة
وقفات تفسيرية
الوقفة الأولى
الوقفة الثانية
الوقفة الثالثة
الوقفة الرابعة
كيف برأ الله يوسف عليه السلام
قوارب النجاة في قصة يوسف عليه السلام
دروس أخيرة من القصة
مقدمة
موضوعنا هذه الليلة هو درس في العفة، وفي الواقع أن من أشد ما يعاني منه الشباب خاصة في هذا العصر الشهوات ومشكلة هذه الشهوة العارمة مع انتشار دواعيها وتنوعها وكثرتها ، وفي خضم هذه المثيرات وهذه الفتن يبقى الشاب صريعًا بين وازع الخير والإيمان والتقوى الذي يدعوه للعفة والمحافظة وبين الاستجابة للنفس الأمارة قصة قديمة فقد كنت قَد ألقيت محاضرة قبل سنوات بعنوان الشباب والشهوة ثم أصدرت كتابًا بعنوان"أخي الشباب كيف تواجه الشهوة"وبعد أن أصدرت هذا الكتيب وردت إلى رسائل كثيرة جدًّا رسائل بريدية أو مكالمات هاتفية من كثير من الشباب يعرض مشكلات كثيرة حول هذا الموضوع بمعدل رسالة أو رسالتين أسبوعيا منذ أن صدر الكتاب إلى الآن وأحرص أن أرد على كل رسالة ولو تأخرت في ذلك ولكن هذه الرسائل وتواليها أعطاني شعورا بأن لهذا الموضوع أهمية وبأن الشباب مازالوا يحتاجون وأنهم فعلا يعانون من مشكلة الشهوة، وهناك رسائل مؤثرة ومؤلمة في الواقع ولكن كثيرًا من الشباب عندما يبعث لي بالرسالة يقول أرجو أن لا تقرأ هذه الرسالة في محاضرة أو تذكرها في كتاب مع أني لو قرأت جزءا منها فإنني لن أشير من قريب أو بعيد إلى واقع هذا الشباب ولكن من حقه علينا ما دام قد طلب منا هذا الطلب واستأمننا على سره أن لا نذكره، مع أني لو أعرضه لم يفهم الناس مَنْ المراد.
وهذا أشعرني بأن الموضوع يحتاج إلى معالجة أكثر وإلى تنويع الأساليب.
ومن ذلك النموذج ذكره اللّه سبحانه وتعالى في كتابه عن قصة يوسف عليه السلام كيف واجه الفتنة وكيف صبر ونجاه اللّه سبحانه وتعالى منها، ومن القضايِا المهمة التي يحتاج إليها الشباب: القدوة العملية، الصورة التي يراها شاخصة أمامه ويتخيل هذه الصورة، ويتخيل تلك الحال والمغريات والمثيرات التي فيها وكيف نجا يوسف من هذا الابتلاء فيعتبره قدوة ونموذجًا له يحتذيه.
وسنتناول الموضوع من خلال النقاط الآتية:
عوامل الإغراء ،ثم قوارب النجاة ، ثم وقفات حول القصة ، وأخيرًا دروس أخيرة ، أما عوامل الإغراء فنحن عندما نتأمل هذه القصة وحتى نعرف الثبات الذي ثبته يوسف عليه السلام وحتى نعرف فعلا أن هذا البلاء لنبي اللّه. لا بد أن نتصور ونعيش جو القصة ونتصور عوامل الإغراء والإثارة التي كانت موجودة لدى يوسف عليه السلام ويستطيع كل منا أن يتصورها عندما يقرأ القصة ويتصورها ويتخيلها بنفسه ويستطيع أن يدرك هذه العوامل.
وقد أشار الحافظ ابن القيم حفظة اللّه إلى عدة أمور أوصلها إلى (13) كلها كانت وسائل وأمور تغري وتهيج الفتنة لدى يوسف عليه السلام في مثل هذا الموضوع.
*"أولها: العامل الطبع أي أن الرجل يميل إلى المرأة أصلا ، الرجل وكل الرجال إلا من شذي لديه هذه الشهوة فهذا العامل موجود أصلا."
الأمر الثاني: كونه شابًّا ولا شك أن الشهوة عند الشاب تكون أكثر توقدًا منه عند غيره خاصة مع ذلك فقدرته على ضبط نفسه أقل من غيره ، ومن هنا تكون الصعوبة أكثر، فتعرفون أن يوسف عليه السلام رمي وهو صغير ثم أخذ رقيقًا وهو لا يزال غلامًا حتى قال عز رجل:"ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين. وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب".
ولا يهمنا الآن كم كان سن يوسف ولكن كان لاشك أنه قريب من العشرين يزيد عنها قليلا أو ينقص عنها قليلا، المهم أنه في مرحلة زهرة الشباب التي تشتد فيها هذه الشهوة.
العامل الثالث: أنه كان عَزَبًا لم يتزوج بعد ولا شك أن هنا أيضًا أمر له أهميته فالمتزوج قد يسر اللّه له طريق الحلال فلو أثاره ما آثاره فأمامه المصرف الشرعي ، أما هذا الشاب الذي لم يتزوج بعد ولم يحصن نفسه فإنه أكثر عرضة للوقوع في المعصية والداعي للوقوع في المعصية والإغراء أكثر من غيره ومن هنا أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم الشباب قال:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطيع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
-الجانب الرابع: كونه في بلد غريب فالإنسان عندما يكون غريبًا بعيدًا عن أهله -خاصة لمّا يتركهم في سن مبكرة- فإن هذا يدعوه إلى أن يمارس ما يمارس ، فوجود الغربة يدعوه إلى أن ينطلق وينفلت من هذه القيود التي تقيده وتحجمه ، وكما نلاحظ الآن أن المرء عندما يغترب عن بلده يصبح أكثر عرضة للانفلات والضياع منه عندما يكون عند قومه وعشيرته وأهله.
-الأمر الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وذات جمال، أما كونها ذات منصب فهذا واضح وأما كونها ذات جمال فقال رحمه الله: إن مثل العزيز العادة أن لا يتزوج إلا امرأة ذات جمال.