فهرس الكتاب

الصفحة 22728 من 27345

الأمر السادس: كونها غير ممتنعة ولا آبية فإن مما يصد المرء أحيانا عن المعصية أن تمتنع المرأة وتأبى.

الأمر السابع: أنها طلب وأرادت وراودت و بذلت الجهد فكفته مؤنة الطلب وبذل الرغبة. فهي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب فيه. فالشاب قد تدعوه الشهوة إلى أن يواقع المعصية، لكن قد تبقى أمامه عقبه وهي الجرأة والتصريح بالرغبة والطلب.

وتجاوز الأمر إلى قضية التهديد والوعيد له، فاجتمع عليه الترغيب والترهيب، فلو لم تكن لدى الشاب الرغبة ابتداءً فهذا الموقف كفيل بإيجادها.

الأمر الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث يخشى إن لم يجبها إلى ما تطلب أن يناله أذاها فاجتمع له الرغبة والرهبة.

الأمر التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه لأنها الراضية الراغبة، فيزول لديه خوف الفضيحة ومعرفة الناس بما قارف من سوء.

الأمر العاشر: قربه منها وكونه مملوكًا لها مما يؤرث طول الأنس، فهو يلقاها كل يوم ويراها، ويدخل عليها في أحوال لا يدخل عليها فيها غيره، وهذا يدعوه إلى أن يرى منها ما لا يرى منها غيره.

الأمر الحادي عشر: استعانتها بأئمة المكر و الاحتيال وهن النساء، قال تعالى: (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين. فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن) فهي هنا استعانت عليه بالنساء وهن أئمة المكر والاحتيال، بل قال بعض أهل العلم: إن كيد المرأة قد فاق كيد الشيطان فقد قال: (إن كيدكن عظيم) واللّه قد قال في آية أخرى: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) . ولكن لاشك أن المرأة الصالحة القانتة التائبة العابدة بعيدة عن هذا كله المهم.

والمقصود أن المرأة استعانت عليه أيضا بالنسوة مرة أخرى، فالموقف قد تكرر مرة أخرى فهي بعدما راودته عن نفسه وامتنع، استعانت عليه بالنسوة لتصيد عصفورين بحجر واحد؛ أن تكيد للنسوة وتنتقم مما قلنه في حقها، وأن تستعين عليه بهن، فتجمع النسوة وتعطيهن الطعام، وتأمره بأن يخرج عليهن، فيبهرهن جماله، ويقطعن أيديهن دون أن يشعرن بذلك، فكيف بيوسف عليه السلام وهو يتعرض للمراودة مرة أخرى، ويسمع هذا الوصف من النسوة، ويسمع هذه المرأة تصرح بالسوء وتعلنه بكل جرأة ووقاحة.

الأمر الثاني عشر: التوعد بالسجن والصغار؛ فإنها قالت (لئن لم يفعل ما آمره به ليسجنن وليكونًا من الصاغرين) وهي تملك ذلك؛ فهي زوجة العزيز، والأمر بيديها، وهي ممن وصفت بالكيد العظيم وقد ثبتت قدرتها على ذلك فدخل يوسف عليه السلام السجن ولبث فيه بضع سنين.

-الأمر الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر الغيرة والنخوة التي تليق بالأزواج، فحين شهد الشاهد واتضح الأمر أمامه. قال هذا الزوج الديوث ليوسف عليه السلام (أعرض عن هذا) وقال للمرأة (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) وانتهى الموضوع، فليس هناك ما يدعو لإثارة الموضوع ولا إثارة المشكلات (( ينقل كلام سيد قطب رحمه الله ) )

وهناك أمر رابع عشر: يمكن أن نضيفه إلى ماذكر الحافظ بن القيم رحمه اللّه: أن يوسف نشأ في هذا البيت، بيت أحسن أحواله على الأقل أن يقول إن قضية الفاحشة قضية سهلة. وحتى الرجل الذي يفعل الفاحشة لا يمكن أبدأ أن يقبل أو يرضى أن يكون هذا في أهله. بل مجرد التهمة تدعوه إلى قتل زوجته أو مفارقتها لكن يوسف عليه السلام قد حفظه الله، فلم يتأثر بهذا المجتمع الذي يعيش فيه.

هاهو يوسف عليه السلام يعيش هذا الموقف بظروفه وملابساته، وتجتمع عليه هذه المثيرات، فينجيه الله تبارك وتعالى منه ويثبته على طاعته.

إن الشاب المسلم اليوم ليتطلع إلى هذا النموذج ويتخذه مثلًا له يسير عليه، كيف لا وقد أخبر الله تبارك في مبدأ هذه السورة بشأن هذه القصة بقوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذه القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) . وقال: (وكلًا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) وقال: (أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم أقتده فل لا أسألكم عليه أجرًا إن هو إلا ذكرى للعالمين) .

وشهد النبي صلى الله عليه وسلم ليوسف عليه السلام بأنه من خير الناس، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله: من أكرم الناس؟ قال:"أتقاهم"فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:"فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:"فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". متفق عليه.

هذه نماذج يتطلع إليها الشاب المسلم اليوم، وهو قد لايصل إلى هذه المنزلة ولن يصل إليها، وأنَّى لامرئ أن يصل منزلة أنبياء اللّه، لكنه يجعل هؤلاء مثلا وقدوة يقتدي بهم.

وقفات تفسيرية

ليس الحديث عن تفسير السورة وآياتها مجال حديثنا هنا، لكن هناك بعض الآيات تحتاج إلى وقفة عاجلة وذكر لما قاله المفسرون فيها، ومنها:

الوقفة الأولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت