فهرس الكتاب

الصفحة 20005 من 27345

في سبيل إعادة كتابة تاريخ الإسلام

تتعالى الصيحات في الوقت الحاضر بالدعوة إلى إعادة كتابة تاريخ الإسلام بعد أن تبين للعلماء والباحثين أن الصورة الموجودة الآن في أيدي شبابنا وطلبة مدارسنا وجامعاتنا والتي صنعت في ظل الاستعمار وتشكلت أولًا في هذه البلاد التي سيطر عليها ليست بالصورة المثلى، ذلك أن هذه الصورة نبتت أساسًا في ظل الاحتلال بعد أن انفصلت عن الدولة الأم: الدولة العثمانية. وعن الطابع الأساسي الذي أريد لها هو أن تكون كتابات محلية خالصة: لا تستهدف كتابة تاريخ الإسلام نفسه ولكن كتابة تاريخ الأوطان، ومن ثم انحازت هذه الكتابات للأمة أو القطر أو البلد وأعلت من شأن وجوده الخاص، وتاريخه القديم، واستوحت أشد الصفحات بعدًا عن الأصالة وعن الرؤيا الصحيحة، فأعلى شأن الفرعونية والفينيقية والبابلية والآشورية والبربرية والزنجية وغيرها. فإذا عرض أمر الإسلام فإنما يعرض على هون وفي أسلوب يوحي بأن الأمم أو الأقطار كانت أكبر منه وأنها حين دخل عليها أقامته وسيطرت عليه، وعَدّته بعض الكتابات استعمارًا أشبه بالاستعمار الفارسي والروماني.

ويرجع ذلك كله إلى أن النظرة الأساسية التي قامت عليها كتابة التاريخ نظرة استعمارية ووافدة، وحين فتحت الأفاق لدراسة تاريخ الإسلام، درس على أنه تاريخ الدولة أو الإمبراطورية التي قامت ثم تمزقت إلى دول. وحين عرض لم يعرض إلا من خلال خلافات بعض الملوك والأمراء والحكام وصراعاتهم الخاصة.

وكان التركيز شديدًا على الخلاف الأول بين الصحابة (عثمان وعلي ومعاوية) . في محاولة لتفسيره تفسيرًا ماديًا خطيرًا بأنه صراع على الحكم.

وغلبت على دراسة التاريخ مذاهب الاستشراق وهي مذاهب غربية أصلًا قامت في ظل تاريخ أوربي وغربي له تحدياته وظروفه، مثل الصراع بين الكنيسة والعلماء، وبين الأمراء والشعب، وصراع المذاهب الكاثوليكية والبروتستانتية وذلك القتال الرهيب بين الملوك والدول والأمم.

هذا المذهب في تفسير التاريخ الذي كان مطبقًا في الغرب حاول المستشرقون نقله إلى أفق التاريخ الإسلامي رغبة في محاكمة هذا التاريخ إليه، فكان خطرًا وفاسدًا ومضطربًا؛ لأنه ليس متسقًا معه وليس منبعثًا من وجوده ومذاهب التاريخ والأدب والنقد وغيرها جميعًا لا يمكن أن تنقل من بيئة إلى أخرى، وإنما هي تنبع من بيئتها لأنها جزء من الثقافة الذاتية الخاصة القائمة على العقائد والتراث والعادات والطوابع العميقة للأمم.

ولكن الاستعمار ومن ورائه التغريب والغزو الثقافي فرض هذا المنهج من تفسير التاريخ على التاريخ الإسلامي فمزقه إربًا وأحاله أركامًا، فهو أولًا يدرسه مجزءًا واقعة واقعة، أو أنه يرجح رواية توافق الهوى أو أنه لا يفهم تيار التاريخ الإسلامي نفسه، هذا التيار الذي لا يفهمه إلا من يعرف منطلقه الأساسي كما رسمه القرآن الكريم وصورة الإسلام في أصوله وقيمه.

وقد استهدت هذه الدراسات بالطابع الوطني الخالص، الذي حجب عنها الصورة الكاملة للتاريخ بأبعادها حيث عجزت هذه الصورة أو تعمدت إلا تشير إلى أن هذا الوطن وهذه الدولة، ليست إلا جزءًا من الوطن الإسلامي ومن الدولة الإسلامية أساسًا وأن الروابط بين الجزء والكل لا يمكن أن تنفصم؛ لأنها روابط عقدية ولغة وشريعة وتاريخ طويل وأمة وسطى جامعة لا يستطيع جزء منها أن ينفصل أو ينغلق مهما حاول ذلك أو حاوله له الاستعمار.

وفضلًا عن هذا فإن هذه النظرة الوطنية الضيقة التي جهلت مكانها كجزء من الكل، لم تتوقف عند هذا الحد، بل أنها أعلنت استعلاءها بخصائصها التاريخية القديمة أو طبيعتها الخاصة، ثم ذهبت إلى أبعد من ذلك حين أعلنت الحرب والخصومة على الأجزاء المجاورة لها وإقامة سد عالٍ بينها وبينه؛ وذلك بهدف ألا تتصل الأجزاء مرة أخرى ولا تلتقي.

ولقد استمر هذا الاتجاه طويلًا، ثم جاءت بعد ذلك الدعوات القومية والدعوة العربية بالذات فكان لها أيضًا محاذيرها في كتابة التاريخ. فقد أخذ العرب يفصلون تاريخهم عن تاريخ الأمة الإسلامية، ويفصلون جغرافيتهم عن جغرافية العالم الإسلامي، وبدا كأنما العرب أمة قائمة بنفسها فكان لها تاريخها الخاص في الجاهلية ولم يكن الإسلام إلا نبتًا من النبات، وما تزال الأمة العربية هي الأمة العربية التي لم يغير فيها الإسلام شيئًا، ثم يجئ بعد ذلك الاستعلاء بدور العرب في الفتح والتوسع والحضارة.

وكل هذا أيضًا من آثار السيطرة الاستعمارية على التاريخ الإسلامي؛ في محاولة تمزيقه إلى تاريخ دول وأمم وإلى صبغ هذه التجزئة بالتعصب والاستعلاء العنصري.

ولذلك فقد كان من أخطر ما واجه التاريخ الإسلامي، هذه المجموعة من أتباع المستشرقين وحملة ألوية الفكر الغربي ودعاة التغريب الذين سيطروا على مجال التربية والتعليم، والذين مازالوا منبثين في عديد من الجامعات ومعاهد الإرساليات، حيث نجد الشباب المسلم يعرف عن نابليون أكثر من خالد بن الوليد وطارق بن زياد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت