فهرس الكتاب

الصفحة 17445 من 27345

ما أشبه الليلة بالبارحة

حادثة بَرْبَشْتر في الأندلس

د. محمد بن إبراهيم أباالخيل أستاذ مساعد في كلية العلوم العربية والاجتماعية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم 26/8/1423

تدهورت أوضاع المسلمين في الأندلس إبان القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ، وكان مسلسل التدهور قد ابتدأ بالفتنة بين بني أمية ( حكام البلاد ) أنفسهم من جانب وبينهم وبين غيرهم من جانب آخر . ثم انقسمت البلاد الأندلسية شيعًا وأحزابًا ، فصارت السلطة فيها تتوزع بين أكثر من عشرين دويلة صغارها لم يكن سلطانها يتجاوز بعض الحصون أو القرى . وقد أًطلق على هذا العصر من التاريخ الأندلسي عصر دول الطوائف . والمتأمل في أحوال تلك الدويلات يجد بين حكامها ـ رغم كثرة أعدادهم ـ سمات مشتركة ، من أبرزها افتقاد أكثريتهم إلى الشرعية في حكم الأراضي التي يسيطرون عليها ، والاقتتال العنيف بينهم في سبيل بسط النفوذ على أكبر قدر ممكن من البلاد ، كذلك التناحر على الحكم في داخل الدويلة الواحدة بين أفراد الأسر الحاكمة ، ومنها الاستعانة باليهود والنصارى سواء في شؤون الحكم والإدارة ، أو في ضرب إخوانهم المسلمين . وقد عم أرجاء الأندلس في ظل سيطرة هؤلاء الحكام فساد عريض على كافة المستويات السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية .

بينما كان المسلمون في الأندلس يعيشون هذه الأوضاع المؤسية إذ تعرضت بلادهم في طرفها الشمالي الشرقي المسمى الثغر الأعلى الأندلسي لحملة صليبية غاشمة شارك فيها عدد من القوى النصرانية ، وكان ذلك في منتصف القرن الخامس الهجري . حيث أن النورمان الذين اعتنقوا النصرانية حديثًا انطلقوا من موطنهم الجديد نورماندي ـ الواقع في الشمال الغربي من فرنسا ـ نحو الأندلس بقيادة زعيمهم جيوم دي مونري ، وذلك بنصيحة ثم تشجيع من بابا روما في ذلك الوقت أسكندر الثاني الذي كان يعرف هذا القائد النورماني جيدًا قبل هذه الحملة بسبب قدومه إلى إيطاليا وخدمته للبابوية حينًا من الزمن . وفي طريق الحملة إلى الأندلس التحقت بها جموع من الفرسان الفرنسيين ، ثم نزل الجميع في مملكة قطلونيا النصرانية الكائنة في أقصى الشمال الشرقي من بلاد الأندلس ، ولا يُعلم إن كانوا اخترقوا البلاد الفرنسية ودخلوا قطلونيا من جبال البرتات الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا أم أنهم قدموا عن طريق البحر المتوسط ، وسواء كان هذا أو ذاك فالحاصل أن قطلونيا النصرانية أذنت لهم بالنزول في أرضيها ، ثم سمحت لهم بالعبور من خلالها للهجوم على بلاد المسلمين ، ولا يستبعد أن يكون بعض القطلونيين انضموا إليهم .

وواضح مما سبق الصبغة الصليبية التي اكتست هذه الحملة ، فهي انطلقت من قاعدة نصرانية ، وشارك فيها أكثر من بلد نصراني سواء بالجنود أو بالسماح لها بالعبور من خلال أراضيه ، وفوق ذلك دور بابا روما في الإشارة بها وتشجيع قادتها .

تحرك هؤلاء النصارى الصليبيون الذين بلغ تعدادهم زهاء أربعين ألفًا من قطلونيا غربًا بجنوب صوب بلاد المسلمين فحلوا في الثغر الأعلى الأندلسي ، وقصدوا أولًا مدينة وَشْقَة فنازلوها أيامًا ، ولما لم ينالوا منها مأربًا بارحوها وساروا شرقًا حتى نزلوا على مدينة بَرْبَشْتر الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة سرقسطة قاعدة الثغر الأعلى ، وكانت يومئذ من أمنع القواعد الإسلامية في الشمال الأندلسي ، فضربوا حولها الحصار وذلك في جمادى الآخرة سنة 456 هـ / 1046 م . ولقد كان من المنتظر أن يهب ملوك الطوائف جميعًا لدفع هذا الحصار الصليبي عن بربشتر ، دع عنك حكام الثغر الأعلى الذين تقع عليهم مسؤولية الدفاع عنها بالدرجة الأولى . لكن ـ ياللأسف ـ لم يتحرك هؤلاء ولا أولئك فتركوا المدينة تواجه الهجوم الصليبي لوحدها ، ومن المحزن أن هذه المدينة كانت تابعة للمظفر يوسف بن سليمان بن هود ، وكان على عداء صارخ مع أخيه المقتدر أحمد بن سليمان بن هود منذ وفاة والدهما سليمان ، فلم يستطع المظفر انجادهما ، ولم يتحرك أخوه المقتدر لنجدتها مع قدرته على ذلك ، ولم يكن من سبب يمنعه من نجدتها سوى أنها كانت من أملاك أخيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت