يرى رجل القلب أن قضاء عمره في محور الإيمان وإطاره الكامل وتزيينه بالإخلاص القضية الأولى عنده. وهو رجل حقيقة تراه قد نذر جميع أفكاره ومشاعره وسلوكه في سبيل رضا الله تعالى، بحيث لو أُعطيت له الدنيا وما وراءها لما استطعت زحزحته عن هدفه، بل حتى لو أُعطيت الجنات لما انحرف عن وجهته وعن طريقه.
لا يدخل رجل القلب في أي منافسة مع الذين يشاطرونه فكره وطريقه، ولا يشعر نحوهم بأي حسد... على العكس يحاول ازالة عيوبهم وتكملة نواقصهم، ويتصرف تجاههم تصرف عضو الجسد نحو سائر الأعضاء... أي يتصرف بروح الإيثار تجاه رفقائه في الدرب، في جميع الأمور المادية والمعنوية من مقام أو منصب أو منزلة أو شهرة أو نفوذ، ويدفع بهم إلى الصفوف الأمامية بينما يتراجع هو إلى الوراء، ليكون دلاّلًا على نجاحهم ومصفقًا لقابلياتهم وتوفيقهم وفرحًا بهم فرح من يحتفل بالعيد.
ومع أن رجل القلب يبقى مرتبطًا بمنهجه في العمل وحسب اجتهاده ومزاجه ومذاقه إلا أنه يبقى على الدوام محترمًا أفكار ومناهج الآخرين وموقرًا لهم، ويكون مستعدًا للعيش المشترك معهم، ولا يفتر عن البحث عن طرق التعاون المشترك مع من يقاسمهم الفكر نفسه... يبحث عن طرق التعاون والمشاركة هذه ويطور معهم مشاريع العمل المشترك واضعًا كلمة"نحن"بدلًا عن"أنا". بل يكون مستعدًا للتضحية بسعادته برحابة صدر في سبيل إسعاد الآخرين دون أن ينتظر من أحد جزاءً ولا شكورًا، بل يعد مثل هذا الانتطار دناءة وسقوطًا يترفع عنه، لذا نراه يبتعد عنه، ويهرب منه مثلما يهرب من العقارب والثعابين، ويهرب من الرغبة في الصيت والشهرة، ويحاول أن يكون منسيًا.
لا يعتدي رجل القلب على أحد، ولا يقابل الاعتداء بالاعتداء، ولا يفقد اعتداله حتى في أحرج الظروف، ولا يتوانى أبدًا من القيام بكل تبعات رجل القلب، فهو يقابل الإساءة بالإحسان دومًا لأنه يعد القيام بالإساءة من عمل الأشرار، لذا يتصرف كمثال لرجل الإحسان.
يعيش رجل القلب خط القرب من الله (أي الولاية) في ظل القرآن والسنة، وفي إطار من شعور التقوى والعزم والإحسان. وهو حذر على الدوام من المشاعر التي تميت القلب كالأنانية والغرور وحب الشهرة. وهو يعزو إلى الله تعالى كل ما ينسبونه إليه وكل ما يقوم به من أعمال الخير ويقول:"كل شيء منه"فيرجع كل شئ إلى صاحبه، وتراه يتحرج من كلمة"أنا"ويفضل عليها كلمة"نحن"في كل ما يتعلق بالإرادة الإنسانية.
لا يخاف رجل القلب من أي أحد، ولا يضطرب ولا يرتبك أمام أي حدث، بل يستند إلى الله ويتوكل عليه، ويتشبث بالسعي فيصل إلى التوفيق، ولا يتراجع أبدًا عما يعتقد أنه حق.
لا يحمل رجل القلب ضغينة نحو أحد، ولا سيما ممن ارتبطوا بالله تعالى وساروا في طريقه. وعندما يرى أصدقاء دربه ضمن عمل سيء فلا يبتعد عنهم، ولا يشهر بهم، ولا يخجلهم، بل ربما يحاسب نفسه ويرى أن معرفته بأي سقطة من سقطات أصدقائه ربما كانت عيبًا له.
يحذر رجل القلب من أي سوء ظن بالمؤمنين في التصرفات القابلة للتفسير المعقول بل يحسن الظن بهم في كل ما يرى ويسمع، ولا ينزحلق إلى ظنون سلبية.
يعلم رجل القلب وهو يقوم بكل فعالياته وحركاته بأن هذه الدنيا ليست بدار جزاء، بل دار خدمة. لذا يؤدي ما عليه من مسؤوليات وخدمات ضمن نظام دقيق جدًا، ويعد الانشغال بالنتيجة شيئًا ينافي التوقير لله تعالى. وهو يعدّ خدمته للدين وللإيمان وللإنسانية أكبر وظيفة له في طريق الحصول على رضا الله تعالى. ومهما أنجز من أعمال كبيرة فلا يجعل لنفسه أي نصيب مادي أو معنوي ولا يفكر في هذا أصلًا.
لا يقع رجل القلب في اليأس أبدًا وإن انفرط نظامه الذي بناه، ولا يهتز أبدًا حتى وإن وقف الناس أجمعون ضده. بل يقوم أمام جميع المصاعب وهو يصر على أسنانه متحملًا"هذه الدنيا ليست بدار زعل بل دار تحمل"يصبر ويبحث عن طرق بديلة لحل المشاكل التي تعترض طريقه ولا يفتر عزمه ولا إقدامه حتى في أحلك الظروف، بل يقوم بإنتاج إستراتيجيات مختلفة.
وختامًا نقول ونذكِّر بأنه في أيامنا هذه التي تستهان فيها القيم الإنسانية، وتتراجع فيها الأفكار الدينية، ويطغى فيها في جميع الأرجاء ضجيج الفارغين واللاهين فإننا في حاجة إلى أمثال هؤلاء من رجال القلب كحاجتنا إلى الهواء والماء