فؤاد العطار
لقد قامت نظريات و تفسيرات عديدة حول كيفية نجاة المسيح عليه السلام من الصلب. بعض التفسيرات هي للعلماء المسلمين أنفسهم و بعضها لغير المسلمين من نصارى و قاديانيين و غيرهم. و من عجائب هذا الزمان ترديد بعض المسلمين لبعض الآراء الدينية لغير المسلمين دون وزنها بميزان الإسلام و دون عرضها على المنطق السليم. و من تلك النظريات السقيمة ادعاء ميرزا غلام أحمد القادياني - نبي الطائفة القاديانية 1839م _1908م - بأن المسيح عليه السلام كان قد عُلق على الصليب لكنه أغمي عليه فتركه اليهود ظنًا منهم بأنه مات. لكنه قام من قبره بعد الإغماء و هاجر إلى كشمير حيث عاش هناك ما يقرب من تسعين عامًا.
و قد ادعى غلام قاديان بأن الله أوحى له بهذا التفسير. لكن من الواضح أن الغلام كان قد سرق الجزء الأول من نظريته - و هو الإغماء على الصليب - من بعض المفكرين النصارى الذين كانوا قد قالوا بهذه النظرية من قبل. و قد انتشرت نظرية الإغماء تلك في أوروبا خلال القرن التاسع عشر فيما عرف بالنقد العصري للكتاب المقدس، و تفيد المصادر الكنسية بأن الألماني شلير ماخر في كتابه"حياة يسوع"الذي نُشر في بداية القرن التاسع عشر كان قد أنكر المعجزات وخاصة قيامة يسوع وذكر أنها رجوع إلى الوعي بعد إغماء طويل. و بالإستقراء نؤكد بأن كتاب المدعو شلير ماخر هو من أوحى للغلام بالفكرة وليس الله تعالى. وقد أيد هذه النظرية أيضًا في القرن التاسع عشر الناقد الألماني"فنتوريني"فربما يكون قد ساهم بدوره في هذا الوحي.
و من الذين تأثروا بنظرية الإغماء على الصليب الداعية أحمد ديدات -رحمه الله -و علي الجوهري (مترجم كتب ديدات) . أما أحمد ديدات فكان يستخدم هذه النظرية في مناظراته و كتبه عن النصرانية. و اتضح جليًا تأثره بالكتابات القاديانية و اللاهورية و خاصة عندما ساق ما ادعاه من أدلة إنجيلية على نظرية الإغماء تلك. و قد ساق ديدات ثلاثين من تلك الإستنباطات في كتابه"صلب المسيح بين الحقيقة و الإفتراء". وقد تطابق 13 استنباطًا منها مع كل الإستنباطات التي ساقها محمد علي اللاهوري - أحد أتباع غلام قاديان - في تفسيره الباطني للقرآن الكريم و الذي ينفي فيه معجزات المسيح عليه السلام مثل ولادته من غير أب و تكلمه في المهد و إحيائه الموتى بإذن الله.
و قد سارع البعض إلى اتهام أحمد ديدات بأنه قادياني أو لاهوري خاصة بعد أن راجت إشاعات في بلده جنوب إفريقيا بأنه كان يوزع الترجمة الكافرة للقرآن الكريم و التي كتبها محمد أسد. مما اضطر أحمد ديدات أن يصدر توضيحًا حول هذا الأمر بتاريخ 23-7-1987م أكد فيه تكفيره لميرزا غلام أحمد القادياني. كما و أعلن تكفيره لكل أتباع الغلام من قاديانيين و لاهوريين. و نفى أن يكون قد قام بتوزيع تلك الترجمة المنحرفة للقرآن الكريم.
و نحن نستغرب من أولئك الذين أصروا على اتهام ديدات - رحمه الله - بالإنتماء للقاديانية مع أنه أصدر إعلان البراءة من تلك التهمة. و لا ندافع بهذا عن أخطاء ديدات و لكننا نقبل من الناس ظاهرهم و تصريحاتهم كما علمنا الإسلام. و نعرض كتاباته و كتابات غيره على كتاب الله و سنة رسوله. و للحق فإن الباحث في كتابات ديدات يجد أنه استعمل نظرية الإغماء فعلًا في معظم جداله مع النصارى. لكنه في كتابه"عيسى إله أم بشر أم أسطورة"ص 138 يقول:
(( إن الذي صُلب هو شخص آخر يشبهه. أما إنجيل برنابا فيؤيد النظرية التي تقول أن شخصًا آخر قتل محله على الصليب. و هذا يتفق مع وجهة نظرنا نحن المسلمين. فهنا الشبهة التي حصلت بقتلهم شخصًا آخر يشبهه ) ).
و مع أن ما قاله لا يمثل وجهة نظر جميع المسلمين إلا أنه لا يتعارض مع القرآن الكريم. إذًا فهذا الكلام ينفي عن ديدات الإعتقاد بصحة نظرية الإغماء السخيفة. لكنه لا يعفيه من تبني تلك النظرية خلال جداله مع النصارى. فلا يجوز للمسلم أن يحتج بما يخالف القرآن الكريم في جداله مع الكفار. خاصة و أن كلام ديدات في مناظراته و كتبه يدعم بشدة تلك النظرية الظالمة التي لا تأبه بتأكيد القرآن الكريم أن المسيح عليه السلام لم يوضع على الصليب.