بعد تدمير أوروبا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخروج أميركا من عزلتها السياسية، كان الجيل الجديد في أميركا يمارس أشكال الحرية والحياة السهلة المترفة التي زرعها المبدأ الرأسمالي، ثم تلاه جيل شهد ثورة تكنولوجية وصناعية أكثر تطورًا، وما صاحبها من رخاء اقتصادي زادت من نظرة الأميركي إلى نفسه بالتعالي، الأمر الذي أقلق صناع السياسة الأميركية أن يصبح الشعب هشًا لا يتحمل أية مشكلة، أو هزة، أو ضربة، قد تحدث في أي وقت، ما يؤدي إلى وجود ما يعرقل سير سياسة أميركا الاستعمارية، وخصوصا أنها تعلم أنها مقبلة على مشاكل وحروب، لطبيعة المبدأ الرأسمالي الذي تعتنقه، فبدأت تعد الخطط لذلك، واستغلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأنشأت على الفور وزارة الأمن الداخلي، وبدأت تتخذ خطوات عملية على الأرض مثل:
• تحذير الأميركيين من السفر إلى مناطق معينة في العالم.
• الطلب من الأميركيين مغادرة بعض البلدان بناءً على طلب سفاراتهم في تلك البلدان.
• إلغاء رحلات طيران من وإلى أميركا، في بعض الأوقات، بحجة توقع هجوم إرهابي.
• رش مسحوق الرايسين السام في مبنى الكونغرس بشكل محدود.
• الإعلان عن درجات الحذر الصفراء، والبرتقالية، والحمراء، التي لم يعرفها الأميركيون من قبل، وذلك بحجة شن هجمات إرهابية.
• نشر الجمرة الخبيثة ( الإنثراكس ) ، في بعض الأماكن، وبشكل محدود، وربما القيام ببعض التفجيرات المحدودة أيضًا لتصبح هاجسًا أميركيًا.
• الإعلان عن حالات طوارىء في مختلف أنحاء البلاد من وقت لآخر.
• إجراءات السفر الأمنية المشددة التي أجبرت الأميركيين إلى الانتظار، وإلى الوقوف، في صفوف طويلة ومملة، مما لم يعهده الأميركيون من قبل... إلى غير ذلك من مثل هذه الإجراءات التي يقصد منها أربعة أمور:
أولها: ترويض الشعب الأميركي، الذي ترعرع على الحرية وسلاسة العيش، على تحمل الصعاب، وخشونة العيش، والقسوة.
ثانيها: لتبرير موقف أي إدارة أميركية، في حال وقوع هجمات فعلًا، ورفع الحرج عنها، بحجة أنها قد حذرت الشعب مسبقا من مثل هذه العمليات الإرهابية.
ثالثها: لحشد التأييد الفعلي من الشعب الأميركي، في أي حرب تشنها أميركا، بحجة ضرب الإرهاب، وتهيئة الشعب الأميركي تدريجيًا، بأن الإسلام دين يحث على العنف والإرهاب، وبالتالي هو الإرهاب بعينه، وعليهم محاربته بكل الوسائل دون رحمة، وعليهم نبذ المسلمين في الغرب واعتبارهم مشبوهين رجالًا ونساءً وأطفالًا. وفي حالة حدوث هجوم على أي قطر من أقطار العالم الإسلامي، عليهم تأييده ودعمه بالغالي والنفيس، لأنه سيحميهم من هذا"الوحش"كما يصورونه لهم، وعليهم أن لا يشعروا بالشفقة من رؤية الأطفال والنساء تقتل؛ لأنهم"وحوش الغد"كما تربيهم أمهاتهم وكما يربيهم الإسلام، وعليهم أن يؤيدوا أي إجراء تتخذه الحكومة ضد المسلمين في الغرب؛ لأن ذلك الإجراء ليس ضد الحرية، بل لحمايتها .
رابعها: توحيد الشعب الأميركي المترف، الساذج، الذي لا يعرف جغرافية بلده، وجعله شعبًا قوميًا عدوانيًا، وخصوصًا ضد الإسلام، وهذا أصلًا كان فكر المحافظين الجدد، الذين هيمنوا على إدارة بوش، مثل وولفويتز، وبيرل، وليبي، وفيث، وبولتون، ورامسفيلد، وغيرهم، الذين شجعوا مسيحيين أصوليين ليستهزئوا بالإسلام.
هذه النظرة، وما سبق من أعمال خداع، وكذب، وتضليل، تعمل عليها الآن هذه الحكومات المتلاحقة؛ لتحصن شعبها! لأنها وجدت الحضارة الإسلامية هي الأقوى فكرًا وسياسةً واقتصادًا واجتماعًا وأن الغلبة لها مهما طال الزمن.
ولأن أميركا أصبحت حبيسة مفاهيم وقيم وضعتها بنفسها، ولم تستطع تطبيقها، مثل: الحريات، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، التي تتشدق بها، ولأن الكذب، والخداع، والتضليل، الذي تمارسه أميركا على شعبها يتبين يومًا بعد يوم، فإن ذلك سيؤدي إلى وعي الشعب الأميركي في الاتجاه الآخر الذي لا تريده الحكومة، عندها سينقلب السحر على الساحر، وستضيف أميركا خسارة على خسائرها في طريق هزيمتها، التي ستتحقق على يد الخلافة القادمة، إن شاء الله.
قال تعالى ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين