بيانٌ ونصحٌ للمسلمين بعامة
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
1-لمحة عن واقع المسلمين اليوم:
مع هذه الأحداث الجسام المروّعة في أرض فلسطين وغيرها من أرض الإسلام ، يقف المؤمن ليتأمل ويتدبّر ، ويبحث عن العبرة والعظة ، والمنفذ والمخرج ، من هذه الظلمة والحيرة التي طال مداها . لقد قدّمت الأمة دماءً كثيرة ومالًا كثيرًا وبطولات رائعة ، فلماذا الهزائم ؟ ! .
وحين نحييّ المؤمنين الصادقين المجاهدين ، وحين ندعو لكل من قُتِل في سبيل الله أن يتقبله الله شهيدًا عنده ، فإننا في الوقت نفسه نبحث في أعماق واقعنا وأعماق أنفسنا عن أسباب الوهن ومظاهر الخلل ، ليكون هذا هو أول الطريق إلى النجاة ، وليكون العلاج هو الخطوة الممتدة على الدرب ، خطوة لا تُعطِّل خطوةُ أُخرى ، ولكن تدعمها وتقوِّمها . فلا يُعقَل أن ندخل المعركة ونحن نحمل الوهن واضطراب الصورة وفقدان النهج واختلاف الرؤية والهدف .
لا يختلف اثنان في أن المسلمين اليوم يمرّون بهزائم متتالية ، وفواجع صاعقة ومجازر تتدفّق فيها الدماء ، وتتطاير فيها الأشلاء ! ويصوّر الإعلام العالميّ الأحداث على النحو الذي يريده ويناسب أطماعه وعدوانه وجرائمه . ولكننا نحن نردّ ذلك إلى منهاج الله ردًّا أمينًا لنخرج بنتائج حقيقية ، بعبرٍ ومواعظ تشق لنا الطريق بإذن الله .
إن الأحداث الجارية في هذه اللحظات على أرض فلسطين مروّعة مفجعة ، يزحف شارون ، ومِنْ ورائه اليهود وأحلافهم ، بدباباته ومروحياته وطائراته ، وجنوده المدجَّجين ، على مدن الضفّة الغربيّة تدميرًا وتقتيلا ومحاصرة ، ومنعًا لوسائل إسعاف الجرحى ، واغتصابًا للنساء ، ودفنًا لبعض الجثث في مقابر جماعية . والعالم كله يتطلّع ، ومليار مسلم في الأرض مشلولون ، وأمريكا تظل تعطي"شارون"الضوء الأخضر ليمضي في جرائمه ، ويخرج تصريح من هنا وتصريح من هناك ، ومندوب يحضر ومندوب يعود ، كل ذلك لإعطاء
شارون أطول فرصة ليمعن في جرائمه . وتظل دولة اليهود تتحدّى مجلس الأمن وقراراته وهيئة الأمم المتحدة وقراراتها ، ويتحدّون"بوش"وقراراته ظاهريًا .
والأحداث لا تقتصر على فلسطين وحدها ، وإنما هي ممتدة بمجازرها وفواجعها إلى أرض الإسلام كلها ، عدوانًا وإجرامًا .
إن ما حدث في مدينة جنين ومخيَّمها ، ومدينة نابلس ، ومدينة بيت لحم ، وسائر مدن فلسطين ، أعظم من كل ما يمكن أن يتصوره الإنسان . تقتيل بالرجال والنساء والأطفال والشيوخ ، تقتيل بالرصاص والمدافع والصواريخ وكل وسائل الفتك .
حصار رام الله حصارًا عنيفًا ، حصار كنيسة المهد ، وصمت من العالم , وكأنه يعطي شارون الضوء الأخضر لليهود ليمضوا في جرائمهم ، حتى يستأصلوا ما يسمونه"الإرهاب"، وهم الإرهاب والعدوان والظلم والإجرام .
فلسطين الآن كلها مباحة لليهود: أرضًا وبشرًا وأعراضًا وأموالًا . كلها مباحة لهم ، فمنها ما استباحوه استباحة مروّعة ، ومنه ما هو معرّض لذلك اليوم أو غدًا إِلا أَن يشاء الله .
2-المسؤولية عن هذا الواقع الممتد:
لا يختلف مؤمنان في أنّ كلّ ما يجري في الكون والحياة ، من أمر صغير أو كبير ، هو بقضاء الله وقدره على حكمة بالغة وقدر غالب وحقٍّ لا ظلم معه أبدًا . ومن هنا وجب علينا شرعًا أن ننظر في أنفسنا ، في واقعنا ، فالخلل فينا ، والأخطاء منا ، والتقصير جليٌّ كبير !
إنّ الله لا يظلم ، وقد حرّم الظلم على نفسه ، وجعله بين الناس محرّمًا ولكننا نظلم أنفسنا:
(( إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) )
[ يونس: 44 ]
(( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) )
[ الشورى: 30 ]
وآيات وأحاديث كثيرة تؤكد هذه الحقيقة الهامة , حتى ندرك أننا نحن المسؤولون , وأن الوهن والخلل فينا نحن .
فجميعنا مسؤولون , وكلنا محاسبون بين يدي الله يوم القيامة , ونبتلى بفتنة أو بعذاب من الله في الحياة الدنيا . وتختلف المسؤولية من مستوى إلى مستوى , ونهيب بكل مسلم , وبالدعاة والعلماء , أن يصدقوا الله فيوفوا بالأمانة التي وضعها الله في أعناقهم , وبالعهد الذي أخذه الله منهم , نصحا خالصا لله , وبيانا بالحجة والدليل , وبذلا على صراط مستقيم .
إن الخلل في واقع المسلمين ، خلل ممتدّ منذ زمن بعيد حتى يومنا هذا ، مما يفرض علينا دراسة واقعنا دراسة أمينة نرده فيها إلى منهاج الله - قرآنا وسنة ولغة عربية .
إن ما يجري اليوم لا يكون مفاجئًا إلا للغافلين النائمين ، يوقظهم هول الصواعق والفواجع والطوارق . إن ما يجري اليوم هو نتيجة حتميّة لمرحلة سابقة ، والمرحلة السابقة نتيجة حتميّة لما قبلها . ذلك لأن سنن الله ثابتة ماضية في الكون والحياة ، على حكمة لله بالغة وقدر غالب .
3-أهم مظاهر الخلل في واقعنا اليوم:
أ - إن أبرز مظاهر الخلل هجر الملايين من المسلمين للكتاب والسنّة ،
وجهل اللغة العربية ، هجرًا وجهلًا أورثا خللًا بعد خلل ، ومرضًا