فهرس الكتاب

الصفحة 25068 من 27345

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:

فإن من علامة توفيق الله عز وجل للعبد أن يوقظه من غفلته ويوفقه لتدارك عمره القصير فيما ينفعه غدًا في الدار الآخرة ، ومن علامة الخذلان أن ينسى العبد نفسه ، ويفرِّط في ساعاته وأيامه ولياليه ؛ فينصرم العمر القصير دون أن يقدم لنفسه ما ينفعها عند الله عز وجل فضلًا عما يضره ويهلكه .

وعندما ينظر الواحد منا إلى حاله وحال كثير من الناس يجد التفريط وتضييع الأوقات بما لا ينفع أو بما يضر عياذًا بالله تعالى ولو حاسب كل واحد منا نفسه وحاول الرجوع إلى ما مضى من عمره الذي مر كلمح البصر ، وما عمله في ذلك العمر من القربات ، أو ما ضيعه من الأوقات لوجد النتيجة جِدَّ محزنةٍ إلا من رحمه الله تعالى لأن ما ضاع من الأوقات بما لا ينفع أو بما يضر أكثر من تلك التي عمل فيها بالطاعات ؛ فإذا أضيف إلى ذلك أن العبد لا يضمن أيضًا انتفاعه من طاعاته وقرباته التي أداها ؛ وذلك لتعرضها لبعض المفسدات والآفات كالرياء والسمعة والعجب ، أو عدم موافقتها لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فماذا سيبقى من الطاعات القليلة إذا مرت على مصفاة الإخلاص والمتابعة ؟ إنه لا يبقى إلا أقل القليل .

إذن فالأمر جِدُّ خطيرٍ ولا يجوز للعبد أن يهمل نفسه ويتركها بلا محاسبة وتدقيق وتفتيش حتى لا يأتي يوم القيامة فيبدو له من الله ما لم يحتسب .

وفي هذه المقالة القصيرة محاولة للتعرف على موانع الانتفاع بالعمل يوم القيامة لعلنا نتجنبها فننتفع بأعمالنا الصالحة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم . والأصل في معرفة هذه الموانع قوله تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ) (الإسراء: 19) . وهذه الآية وإن كانت قد انطوت على ذكر الشروط للانتفاع بالعمل الصالح فإن

مفهوم المخالفة فيها يشير إلى موانع الانتفاع ؛ حيث ذكر الله عز وجل في هذه الآية الكريمة أن من شروط قبول العمل عند الله عز وجل وكونه مشكورًا عنده سبحانه ما يلي:

1-إرادة الدار الآخرة بقوله وعمله .

2-تصديق هذه الإرادة والسعي إلى الآخرة بعمل موافق لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .

3-أن يكون صاحب العمل موحِّدًا مؤمنًا بالله عز وجل غير مشرك به .

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: وقوله: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ ) (الإسراء: 19) أي: أراد الدار الآخرة ، وما فيها من النعيم والسرور، (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ) (الإسراء: 19) ، أي طلب ذلك من طريقه ، وهو متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) (الإسراء: 19) ، أي: وقلبه مؤمن ، أي مصدق بالثواب والجزاء ( َأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ) (الإسراء: 19) [1] . ومن خلال هذه الآية الكريمة تُستنبَط الموانع التي تحُول بين العبد وبين أن ينتفع بعمله يوم القيامة وهي كما يلي:

1-أن لا يكون صاحب العمل مؤمنًا بالله عز وجل ولا بوعده ووعيده ، أو كان مشركًا به أو مرتدًا عن دينه ؛ فلو تقرب العبد إلى الله عز وجل بقربات كثيرة من صلاة وصيام وغيرها وهو مشرك بالله عز وجل الشرك الأكبر وذلك بصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله عز وجل فإنه بذلك لا ينتفع بأي عمل صالح عند الله عز وجل لأن توحيد الله عز وجل والبراءة من الشرك وأهله يُعَدُّ الشرطَ الأعظم في الانتفاع من بقية الأعمال والأقوال ، وبدون ذلك تحبط جميع الأعمال كما في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ ) (الزمر: 65) ، وقوله تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ( الأنعام:88) ، وقوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) (الأنبياء:94) إلى غيرها من الآيات .

وخطورة هذا المانع أنه يحبط جميع الأعمال ؛ بينما الموانع التالية تحبط العمل الذي وُجِدَتْ فيه فقط ، ولا ينبغي للعبد أن يستهين بهذا المانع ولا أن يأمنه ؛ بل عليه أن يخافه وأن يفتش في عقيدته وأعماله كلها خشية الوقوع في هذه الآفة العظيمة التي تحبط الأعمال ولا يغفرها الله عز وجل إلا بتوبة . ومن يأمن الشرك بعد إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام حيث دعا ربه بقوله: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ) ( إبراهيم: 35 ) ؟ ! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت