فهرس الكتاب

الصفحة 25069 من 27345

2-إرادة العبد بعمله الدنيا وليس الآخرة ، وهذا مانع كبير يحول بين العبد وبين أن ينتفع بعمله يوم القيامة ؛ وهذا يكثر في عمل المرائين والمريدين بأعمالهم شهرة أو منصبًا أو مالًا أو أي عرض من أعراض الدنيا الفانية ؛ فهؤلاء لا خلاق لهم في الآخرة من تلك الأعمال الملوَّثة . قال الله تبارك وتعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ) (هود: 15) . وقد أدخل العلماء في ذلك من أدى العمل بإخلاص لله تعالى لكنه أراد من عمله وتوبته وتركه للمعاصي آثارها الدنيوية فحسب ؛ وذلك بأن يبارك الله له في المال والولد ، ويجنبه المصائب والجوائح في الدنيا فقط ، فمن كان دافعه إلى العمل إرادة ثواب عمله في الدنيا فقط فإن هذه الأعمال معلولة غير مقبولة وغير مشكورة عند الله عز وجل يوم القيامة، أما من أراد بعمله الآخرة وأراد مع ذلك بركتها في الدنيا فهذا مرغَّب فيه وسعيه مشكور عند الله عز وجل إذا كمل الشروط الأخرى لقبول

العمل .

3-أن يكون سعيه وعمله مخالفًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن من شروط الانتفاع بالسعي والعمل أن يكون موافقًا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مبتدع ولا مبدل ، وهذا هو الذي أشار إليه الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لآية الإسراء ؛ حيث قال: ( وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَ ) (الإسراء: 19) ، أي: طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم . ومن أوضح الأدلة في أن تخلف المتابعة عن العمل يمنع من الانتفاع به عند الله عز وجل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: « من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد » [2] ، ومن هنا وجب الحذر من الابتداع والتعبد لله عز وجل بما لم يأذن به سبحانه أو يشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن التفريط في ذلك يضيع على العبد سعيه وعمله ولو كان صاحبه مخلصًا لله فيه مريدًا منه الدار الآخرة ؛ لأن قبول العمل عند الله عز وجل مقيد بالشروط السالفة الذكر مجتمعة كلها في العمل ؛ فلو تخلف واحد منها بطل العمل وحِيلَ بين صاحبه وبين الانتفاع منه .

وبذلك يتبين لنا خطورة إهمال النفس ومحاسبتها والحرص الشديد على إحسان العمل وإتقانه وتجنيبه كل ما يفسده ويمنع من الانتفاع منه في يوم عصيب رهيب الحسنة فيه لا تعدلها الدنيا بزينتها وزخرفها ثمنًا .ولنا أن نتصور كم يصفو لنا من العمل النظيف النافع عند الله عز وجل بعد أن يمر على هذه المصفيات السالفة الذكر ؟ إن الناظر فيها اليوم إلى نفسه وما أسلف من الأعمال الصالحة ليذهل عندما يرى قلَّتها وضياع العمر بما لا ينفع إلا من رحم الله تعالى . ثم ليت أن هذه الأعمال على قلتها تكون مقبولة عند الله عز وجل إذن لهان الخطب ؛ لكنها إذا عرضت على المصفيات السالفة الذكر فإن المحصلة في النهاية ستكون أقل القليل ؛ فمصفاة الإخلاص تمنع كل عمل لم يُرَدْ به وجه الله عز وجل ، ومصفاة المتابعة تمنع كل عمل لم يؤدَّ على وجه الموافقة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . ثم إن هذه المحصلة النظيفة من الأعمال والتي هي أقل القليل معرضة هي الأخرى لمانع خطير يحول بين العبد وبين الانتفاع من أعماله التي تعب عليها وأتقنها على قلتها حتى أصبحت مقبولة عند الله عز وجل وهذا لمانع خطير هو:

4 -حقوق العباد ومظالمهم: يقول الله عز وجل: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) (الزمر:30-31) والخصومة تكون فيما بين العباد من مظالم ؛ فعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: لما أنزلت هذه الآية قال: أيْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ! أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال: « نعم ليكررن عليكم حتى يؤدَّى إلى كل ذي حق حقه » [3] قال الزبير: والله إن الأمر شديد .

ومن الأحاديث المشهورة في ذلك حديث المفلس الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: « أتدرون من المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع . قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وكان قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فينقص هذا من حسناته، وهذا من حسناته .قال: فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ

من خطاياهم ، فطُرحت عليه ، ثم طُرح في النار » [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت