وهذا المانع الخطير من موانع الانتفاع بالعمل الصالح يوم القيامة من أشد الموانع خطرًا وأصعبها تحرزًا ؛ فلا يسلم من تبعات العباد إلا من رحم الله عز وجل ، وقليل ما هم . والغرماء يوم القيامة لا يقبلون من عمل خصومهم إلا النظيف الذي تجاوز مصفاة الإيمان والإخلاص والمتابعة . أما العمل الملوَّث فلا يقبلونه لعدم نفعه ؛ فإذا كان العمل النظيف أقل القليل كما سبق بيانه لأنه ثمرة تصفيات كثيرة ، وكل مصفاة تُسقِط منه جزءًا إذا كان الأمر كذلك فإن المغبون الخاسر مَنْ ضيَّع هذا القليل ووزعه يوم القيامة بين خصومه وغرمائه ، وحال بين نفسه وبين الانتفاع بأعماله المقبولة عند الله عز وجل وذلك بتفريطه في الدنيا في حقوق العباد ، أو الاعتداء عليهم في دين أو عقل أو نفس أو مال أو عرض .
ومما ينبغي التنبيه عليه أن أكثر الخصوم يوم القيامة هم من أقرب الناس للنفس كالأب والولد والزوجة والزوج ؛ وذلك لما بينهم من الحقوق والواجبات ، ووجود الاحتكاك الدائم بهم والاجتماع معهم في كثير من الأوقات .
فالحذرَ الحذرَ من ظلم الأبناء في دينهم وإهمال تربيتهم والنفقه عليهم .. إلخ والحذرَ الحذرَ من بخس الوالدين حقوقهم وعدم الإحسان إليهم ، وكذلك الحال في بقية الأقارب والأباعد [5] .
نسأل الله عز وجل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه موافقة لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم صادرة عن إيمان وتوحيد خالصين . كما نسأله أن يجنبنا ظلم العباد والاعتداء على حقوقهم ، وأن يخرجنا من الدنيا كافِّين اللسانَ عن أعراضهم ، خُمْصَ البطون من أموالهم ، خفيفي الظهور من دمائهم . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
(1) تفسير ابن كثير ، عند الآية (19) من سورة الإسراء .
(2) رواه مسلم ، ح/3243 .
(3) الترمذي ، 9/11 ، وقال حسن صحيح ، ورواه الإمام أحمد ، 1/167 .
(4) رواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، ح/ 2581 .
(5) يرجع إلى رسالة: (وقد خاب من حمل ظلمًا) لمعرفة صور الظلم والمظالم .
مجلة البيان / العدد ( 153) التاريخ- جمادى الأولى / 1421هـ .