أ.د/محمد أديب الصالح
رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام
أحمد الله تبارك وتعالى وأصلي وأسلم على خير أنبيائه محمد وعلى آله وصحابته ومن سلك نهجهم إلى يوم الدين.
من عباد الرحمن أعلام هذه الأمة الذين كان لهم شأن على طريق وجودها الذاتي، وإنماء لحياتها بالكثير الكثير من الضياء إيمانًا ووعيًا وصلاح نفس وقلب: الرجل الرباني، والإمام الحجة حسان بن عطية أبو بكر المحاربي مولاهم الدمشقي.. قيل: كان من أهل بيروت، وكانت وفاته في حدور ثلاثين ومائة.
كان عصر الرجل يموج بالكثير من الأفكار والتيارات، فلم يعجزه أن يكون على غاية الوعي في موقف المواجهة، وأن يكون عنوانًا للاستقامة، والتقرب بالعبادة إلى الله زلفى.
كان يزين حياته وسلوكه العمل الصالح الدائب على المنهج النبوي الكريم في إطار من العلم والمعرفة التي تجعل من عبادة العابد عملًا بالعلم، وتزكية للنفس، وسيرًا على طريقة السلف الذين اغترفوا من معدن النبوة، واستمسكوا بحبل الله المتين، وكانت خلائقهم النموذج القرآني فيما أدب به الإنسان، وحمله إلى طريق الجنة التي أعدت للمتقين.
أسند ابن عطية في روايته لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنس بن مالك وشداد بن أوس، كما روى عن عدد من التابعين منهم: سعيد بن المسيب، ومحمد بن أبي عائشة، ومحمد بن المنكدر ونافع وأبي الأشعث الصنعاني رضي الله عنهم أجمعين.
ولقد شهد له بالفضل وصلاح العمل العديد من أعلام هذه الأمة الذين تسطر شهاداتهم بماء الذهب حتى قال الأوزاعي رضي الله عنه"ما رأيت أحدًا أكثر عملًا منه في الخير"يعني حسان بن عطية.
ومن الوقائع التي ذكرها الأوزاعي ما جاء في قوله: كان حسان بن عطية ينتحي إذا صلى العصر في ناحية المسجد فيذكر الله حتى تغيب الشمس.
ولا شك أن كثرة الذكر كما أرادها الكتاب والسنة توصل صاحبها إلى الفلاح"واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون (1) "وآية ذلك أن تتفجر ينابيع الحكمة على لسان الذاكر الصادق الخاضع قلبه، لذا لم يكن بدعًا أن نرى ابن عطية رحمه الله يمدنا في هذا المجال بكلمات هي في أصالتها ونورها أشبه أن تكون من ميراث النبوة.
ففي شأن قيام الليل -وهو روضة المحبين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا- قال رضي الله عنه:"من أطال قيام الليل هان عليه طول القيام يوم القيامة".
وفي دعوته إلى الخشوع في الصلاة، وبيان ما يكون من الفارق بين الخاشع والغافل يقول:"إن القوم ليكونون في الصلاة الواحدة، وإن بينهم كما بين السماء والأرض. وتفسير ذلك: إن الرجل يكون خاشعًا مقبلًا على صلاته، والآخر ساهيًا غافلًا".
وفي فهم صادق للترابط بين الإيمان والعمل، وأنه لا يجوز أن يفترقا، كان أجزل الله مثوبته لا يدع أن ينبه إلى موقف القرآن من هذه النقطة البالغة الأهمية، ومن ذلك ما رواه الأوزاعي قال: حدثني حسان أن الإيمان في كتاب الله صار إلى العمل فقال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون(2 ) ) ثم صيرهم إلى العمل فقال: (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقًا(3 ) ) .
ومن ذلك: تلك القاعدة النورانية التي أرساها في شأن الذكر والذاكرين الصادقين حين قال: (ما عادى عبد ربه بأشد من أن يكره ذكره ومن ذكره) .
في حديث موصول عن هذا الرجل الرباني أود الإشارة إلى تلك المآثر التي ألمحنا إلى بعض منها في العدد الماضي من سلامة مواقفه في مواجهة الآراء المطروحة يومذاك، مجتزئًا بما ذكر عبد الملك بن محمد الصنعاني أنه سمع الأوزاعي يقول:"قدم علينا غيلان القدري في خلافة هشام بن عبد الملك"فتكلم غيلان وكان رجلًا مفوهًا، فلما فرغ من كلامه قال لحسان: ما تقول فيما سمعت من كلامي؟ فقال له حسان: يا غيلان إن يكن لساني يكل عن جوابك، فإن قلبي ينكر ما تقول. وحدث محمد بن كثير عن الأوزاعي أيضًا قال: قال حسان بن عطية لغيلان القدري: أما والله لئن كنت أعطيت لسانًا لم نعطه، إنا لنعرف باطل ما تأتي به.
ألا ما أجمل أن يجتمع للمسلم العلم مع العمل، وما أكرم أن تكون العبادة على فقه في دين الله بالكتاب والسنة، ووعي لما يكون هناك من الآراء والأفكار التي تقتحم على العالم موطنه، وعلى العابد محرابه، وموضع تبتله.
وانظر إليه في تحديده لخصال هي فيض مخالطته للقرآن، ولحديث النبي عليه الصلاة والسلام، ذلكم قوله: (خمس من كن فيه فقد جمع الله له الإيمان: النصيحة لله ولرسوله، وحب الله ورسوله، ومن بذل للناس من نفسه الرضا وكفَّ عنهم السخط، ومن وصل ذا رحمه، ومن كان ذكره في السر كذكره في العلانية سواء) .