فهرس الكتاب

الصفحة 14511 من 27345

هذا: وبقدر ما كان عاملًا بالسنة ناصرًا لها، كان حربًا على البدعة والمبتدعين قال رضي الله عنه منذرًا محذرًا:"ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ولا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة". وفي جملة من أدعيته، وحسن تضرعه إلى مولاه، ما يكشف عن صفاء نفسه، وتذوقه حلاوة الإيمان وامتلاء قلبه خشية وحبًا لله تعالى، ولمثل ذلك فليعمل العاملون. وصدق الله جل وعلا؛ إذ يقول في محكم كتابه: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون(4 ) ) ..

لقد كان من دعائه إذا أمسى قوله:"الحمد لله الذي ذهب بالنهار وجاء بالليل سكنًا، نعمة منه وفضلًا، اللهم اجعلنا لك من الشاكرين. الحمد لله الذي عافاني في يومي هذا، فرب مثلي قد ابتلي فيما مضى من عمري. اللهم عافني فيما بقي منه، وفي الآخرة، وقنا عذاب النار".

ومما كان يدعو به أيضًا ما روى الأوزاعي أنه كان يقول:"اللهم إني أعوذ بك من شر الشيطان ومن شر ما تجري به الأقلام، وأعوذ بك أن تجعلني عبرة لغيري، وأعوذ بك أن تجعل غيري أسعد بما آتيتني مني. وأعوذ بك أن أتقوت بشيء من معصيتك عند ضر ينزل بي، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، وأعوذ بك أن أقول قولًا أبتغي به غير وجهك. اللهم اغفر لي فإنك بي عالم".

وعلى كل ما كان يتسم به من الرحمة بعباد الله، والرأفة بهم، كان لا يعرف المهادنة مع الظلم والظالمين، وأوضح ما يكشف عن ذلك قوله:"يعذب الله الظالم بالظالم ثم يدخلهما النار جميعًا".

وفي خاتمة المطاف إنك واجد في حياة هذا الرجل نبعًا من العطاء الذي نحن اليوم بأمس الحاجة إليه، بعد أن أصاب النفوس ما أصابها من الجدب، وظاهرت الأمة عن أمر الله، وأصبح الإيمان عند كثير من الناس دعوى بلا دليل. وثالثة الأثافي: ما يرى الناظر في طول عالمنا الإسلامي وعرضه -في الأعمّ الأغلب- من ذلك الانفصال بين العلم والعمل، وبين العقيدة والسلوك.

ألا إن كل واحد من هؤلاء الربانيين حجة من الله على خلقه، في أن يستأنفوا الطريق فيلجموا هذه الأنفس عن الغي، ويقلعوا عن التفريط في جنب الله، ويخبتوا إلى ربهم ذاكرين قول الله تعالى: ]وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (5) [.

وإنا لندعو الله تبارك وتعالى أن يكرم مثوى حسان بن عطية، وأن يعلي مقامه عنده مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. والحمد لله رب العالمين.

* مجلة حضارة الإسلام -السنة الخامسة عشرة- العدد الرابع -رجب /1394- آب/1974

(1) سورة الجمعة: 10

(2) سورة الأنفال: 2

(3) سورة الأنفال: 4،3

(4) سورة يونس: 62

(5) سورة الأعراف: 164/165

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت