فهرس الكتاب

الصفحة 22068 من 27345

سامي بن عبدالعزيز الماجد 1/1/1427

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن مما يبعث السرور في النفس ما نراه في حملة نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- من تفاعل كبير، وزخم عاطفي ضخم، وحراك في مجتمعات المسلمين، وكل ذلك وأكثر منه قليل في جانب نصرة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس من النصرة في شيء بعض المظاهر المصاحبة لذلك والتي منها: أولًا: أن يتسابق الناس في نشر رؤى منسوبة إلى مجاهيل تبشِّر الأمة أن نبيها - صلى الله عليه وسلم - راضٍ عنها فيما عملت من نصرةٍ وذبٍ عن عرضه. ولئن كانت الرؤى الصالحة من مبشرات النبوة التي بقيت للأمة، فإن ذلك لا يعفينا من ضرورة التثبت فيما يرويه الناس من ذلك، والتي غالبًا ما يكون منسوبًا إلى مجهول، أو مما يتزيّد فيه الرواة،فما آفة الأخبار إلا رُواتها، وقد يكون ما رآه صاحب الرؤيا من حديث النفس، فيخيل إليه أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في منامه ، وأما حديث"من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي"فالمراد: من رآني على صفتي التي أنا عليها، وليس المراد أن كل ما يُخيل للنائم في منامه أنه يرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو كذلك.

ثم إن لدينا من نصوص الكتاب والسنة المبشِّرة بخير موعودٍ لمن ذب عن عرضه -صلى الله عليه وسلم- ونصرَ سنتَه ما يغنينا ويشفي نفوسنا ويحدو أرواحنا للاستباق لهذا الشرف العظيم، فحسبنا أن نحث الناس على نصرة نبيهم وسنته بتلك النصوص المبثوثة في الكتاب والسنة الصحيحة.

ثانيًا: أن يتسابق الغيورون على عرض المصطفى -صلى الله عليه وسلم- على نشر أخبار غير موثقة، مثل المجازفة بذكر أرقام مبالغ فيها لخسائر المقاطعة، ومنها ما أُشيع بين الناس هذه الأيام من أن أحد الرسامين الذين صوَّروا النبي -صلى الله عليه وسلم- في رسوم ساخرة قد وُجد جثةً محترقة بجوار الصحيفة الناشرة لتلك الرسوم، وأن وسائل الإعلام في الدانمارك قد تكتّمت على الخبر خوف الفضيحة! وليت المسارعين في نشر هذه الشائعة تساءلوا قبل نشرها: إذا كانت وسائل الإعلام هنالك قد تكتّمت على نشر الخبر فأنى لهم العلم به؟!! ومن هذا الذي عَلِمَه فأذاعه في الناس حتى بلغنا؟!

إن حث المسلمين على نصرة نبيهم وإفراحَهم بما يأملونه من ثمار حملتهم على الساخرين بحبيبهم -صلى الله عليه وسلم- عمل مشروع ولا شك، بيد أنه لا يجوز أن يكون بالكذب، ولا بترك التثبت والتبين في رواية الغرائب من الأخبار، وإن ما يعتمل في صدورنا من لواعج الغيرة على النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- لا ينبغي أن يدفعنا إلى أن نَفرُطَ في رواية الأخبار دون تثبت واستيثاق، ولا إلى أن نتخلى عن المنهج الشرعي في تلقي الأخبار وبثّها، فحسن المقصد لا يشفع لشيء من هذا مطلقًا.

ثالثًا: ليس من النصرة في شيء مبادأة أحدٍ بالاعتداء وتحريضه على معركة الطرفان فيها خاسران؛ فاختراق مواقع صحف ومجلات لم تصدر منها بنبينا سخريةٌ وتدميرُها عملٌ لا يكشف شبهة ولا يذبّ عن عرضٍ، وإنما يُحرضها هي الأخرى على سب الرسول والنيل منه، وينقلها من حِيادها إلى مصافّة المعتدي في موقفه، ويحرض سفهاءهم على تدمير مواقعنا الالكترونية النافعة، والتي خسارتنا بتدميرها أعظم من خسارتهم هم بتدمير مواقع صحفهم ومنتدياتهم.

لقد نهانا القرآن أن نعتدي في الاقتصاص من المعتدي، فكيف بابتداء الاعتداء؟! لا شك أنه أقبح وأولى بالنهي...نذكِّر بهذا الحكم المتقرر في عقل كل مسلم ونحن نرى معركة إلكترونية على شبكة الانترنت ابتدأها بعض الغيورين هداهم الله باستهداف بعض الصحف الدانمركية بالاختراق والتدمير، وفي هذا العمل المشين عدة ملحوظات:

1ـ أنه اعتداء على مَن لم يقع منه اعتداءٌ، وفي هذا مخالفة لآداب القرآن، لا يشفع لها قدْرُ ما بلغه حب الحبيب -صلى الله عليه وسلم- في قلوبنا.

2ـ أن هذا الفعل بمثابة الشاهد الذي يُثبت التهمة في اتْباع النبي -صلى الله عليه وسلم- من أنهم همج إرهابيون مفسدون لا يعرفون إلا الإفساد والتدمير.

3ـ أن اللجوء إلى هذه المواجهة البعيدة عن التعقل وأسلوب المحاجة بالحجة والبرهان قد يوهم العدو وغيرَه ممن هو على ملته ولم يرتكب خطيئته أننا لا نملك في الدفاع عن شخصية نبينا -صلى الله عليه وسلم- حجةً ولا برهانًا تبرِّئه مما هو متّهم به في أنظارهم.

4ـ كان من الممكن تحييدُ هذه الصحف التي قُصدت بالاختراق والتدمير، وجعلُها وسيلة ضغط على الصحيفة الناشرة للرسوم الساخرة لإلجائها إلى الاعتذار حمايةً لاقتصادهم من آثار حملة المقاطعة، فإذا نحن وسّعنا دائرة المواجهة لوسائل الاعلام الدانمركي كلها ـ من غير تفريق بين الفاعل والغافل ـ فإن ما نبغيه منهم يصبح أملًا بعيدًا، كان لأيدينا إسهام في ذلك ولو بطريق غير مباشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت