ماضي البصيرة واضح المنهاج عمر الحبر يوسف*
عنوان هذه الكلمة عجز بيت لجرير بن عطية الخطفي يمدح فيه الحجاج بن يوسف الثقفي , و تمام البيت:
مثل هذا الكلام يعد من أحسن المدح , إذ أنه لا يجنح إلى مبالغة لا يقبلها عقل , فمضاء البصيرة و وضوح المنهج -أيًا كان هذا المنهج - ليست بالصفات التي يتعذر وجودها في بني الإنسان , و بالمقابل فإن أقبح المدح ما مال إلى شطط و غلوّ , فكان على شاكلة:
كذلك يقبح في المدح مخالفته لحال الممدوح , فأحسن المدح ما كان صادقًا في الوصف موافقًا للحال . و أنا لا أزعم أن هذا الرأي مذهب من مذاهب النقاد في فن المديح لكنه بلا ريب الإتجاه النقدي في هذه المسألة برؤية إسلامية , و مما يؤكد هذا و يعضده أن الفاروق رضي الله عنه استدل على شاعرية زهير بن ابي سلمى بأنه"لا يعاظل بين الكلام و لا يتبع حوشيه و لا يمدح الرجل إلا بما فيه".
أعود إلى بيت الشعر و أقول أن جريرًا قد أصاب المفصل - كما تقول العرب - في منهجية العمل الإسلامي , و كأني به قد نظر إلى قوله تعالى: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) , و لئن كانت هذه الآية من سورة الأنعام التي يقول فيها الله عز و جل: ( قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين ) قد حددت ميدان العمل الإسلامي و غاياته , فجعلت غايته مرضاة الله عز و جل و ميدانه الحياة بأسرها , فإن الآية من سورة يوسف
( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) قد بينت الطريق الذي ينبغي أن يسير عليه العمل الإسلامي و هو منهج الدعوة إلى الله , الواضح السمات البيّن القسمات الذي يقوم على بصيرة ماضية حدّاء , و البصيرة في لسان العرب من الكلمات الجوامع شأنها في ذلك شأن (البر) الجامع لمعاني الصدق و الطاعة و الخير و الصلاح . فالبصيرة هي اليقين و الهدى كما أنها الحجة و الحكمة و الفطنة . و الناظر في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و أتم التسليم و في أخبار أئمة السلف عليهم الرضوان يجد أن الآيتين الكريمتين المذكورتين آنفًا قد تنزلتا واقعًا يحياه الناس و يعيشونه , فلم يكن بمستغرب أن تخرج تلك الحياة - و أكرم بها من حياة - عن قريب أناسًا ملئوا الدنيا رحمة و هداية و عدلًا و علمًا و إحسانًا و فضلا ً .
و ما كان لهم أن يبلغوا ذلك كله لولا اتباعهم لمنهج مستبصر موصول بالله تعالى و ما تأخرنا نحن اليوم و لا تقدم غيرنا إلا لأننا ابتعدنا عن ذلك المنهج لتتحقق فينا سنة الله سبحانه في خلقه و لن تجد لسنة الله تبديلا .
و لقد آن لهذه الأمة المسلمة أن تختار أحد طريقين:
طريق الإستقلالية و العزة و سعادة الدارين , أو طريق التبعية و الذلة الذي أودى بأمتنا إلى أن تعيش حالة اللا تواصل و الا إلحاق - كما يسميها بعض المفكرين - فانقطعت عن تاريخها و حضارتها , و لم تلحق بتقدم الغرب الدنيوي و ماديته , و ليس سبيل للخروج من هذه الحالة إلا بصحوة إسلامية جادة تنتظم كافة مناحي الحياة في الدعوة و الفكر و في السياسة و الإقتصاد و الإجتماع تلتزم في ذلك كله منهج الإسلام المستبصر الذي لا يضيّق واسعًا و لا يضيّع حقًا واجبًا.
و هذه الصحوة المنشودة لن تقوم بها جماعة من الجماعات الإسلامية منفردة - مهما بلغت قوتها و عظم تأثيرها - فهي تحتاج إلى جهد كل من يحمل همّ العمل للإسلام لذلك لا بد من تعاون - و لا أقول وحدة فقد ملّ الناس شعاراتها و شكلياتها - تعاون على البر و التقوى و الصلاح يقوم على ظن حسن و نصح كريم , تعاون يقوم على برامج عملية , فرجل العقيدة جندي عامل لا فيلسوف مجادل و ثمرة العلم العمل .
و ينبغي أن يكون أكبر هم هذه الصحوة و أولى أولوياتها الحركة وسط المجتمع هداية و رعاية و تثقيفًا و إيجادًا لسبل الكسب و رفعًا لمستوى معاش الناس و لأمر مّا قال الله تعالى:
( فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف ) , و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم يطعم اللقمة و يعلم الكلمة و يؤمّن الناس إذا فزعوا و يعطي عطاء من لا يخشى الفقر .
و لا يخفى على عاقل ما للعمل الإجتماعي من تأثير في حياة الناس و في توجيه ولاءاتهم , لذلك لا بد لأهل الصحوة الإسلامية من أن يتحركوا في الأحياء السكنية بتقديم البرامج الإجتماعية الخدمية التي يقطف الناس فيها ثمرة التعاون و التكافل . و إذا كان بعض الناس يقدمون مثل هذه البرامج طمعًا في مكاسب دنيوية فينبغي لأهل الصحوة الإسلامية أن يؤكدوا للناس بالقول و بالفعل و بكل وضوح و صدق أن هذا الأمر من صميم الإسلام و أن الدافع إليه هو واجب الإخاء و التراحم حتى يعلم الناس ما في ديننا من خير .