فهرس الكتاب

الصفحة 22422 من 27345

و من المنهج المستبصر اتباع أسلوب التقويم لا الهدم في تغيير المنكر , و الإسلام قد أبقى على بعض أعراف الجاهلية و أخلاقها , و النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) و لم يقل بأن الجاهلية كانت شرًا محضًا , بل إنه صلى الله عليه و سلم استحسن بعض أفعال الجاهليين كحلف الفضول الذي اثنى عليه الثناء كله و أخبر أنه لو دعي إلى مثله في الإسلام لأجاب .

و النهج الصحيح في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يقوم على قواعد من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي أحسن و الله عز و جل يقول: ( و قولوا للناس حسنا ) بهذا الإطلاق , لأن هذا هو الأصل و ما سواه من الجهر بالسوء من القول -الذي لا يحبه الله-

فعارض طارىء .

و قد سمعت بعضهم يتحدث عن طائفة من المسلمين يراها في ظلمات من الضلال بعضها فوق بعض فتأملت في وجهه و تألمت لحال الأمة - كما فعل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله مع السائل المتكلف - إذ كان الرجل فظًا غليظ القلب فاجرًا في الخصومة مال إلى سباب لم يسلم منه حي و لا ميت , و هؤلاء الذين سبّهم لهم في نفوس أتباعهم محبة عظيمة و تقدير جمّ , ثم الرجل يرجو بعد استجابة أولئك الأتباع له !!

و الله عز و جل يقول: ( و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم ) , إذا كان هذا هو الحال مع عبدة الأوثان فكيف يكون مع مسلمين نرى فيهم انحرافًا و ضلالًا ؟!

الداعية إلى الله حقًا و صدقًا آسٍ يريد العلاج لا خصم غايته الحجاج , و إن الحرص على هداية الناس يحتم عليه أن يدعوهم بالحسنى و بالرفق و للين و أن يجتهد في ذلك الإجتهاد كله , فإن أصروا و استكبروا استكبارًا فلن يكون أحرص على هداية الناس من نوح عليه السلام !!

و من المنهج المستبصر في الدعوة إلى الله أن يحدّث الناس بما يعرفون و باللغة التي يفهمون , و أن يبتعد الدعاة عن أساليب التكلف و محاولات ( التعالم ) الأجوف . إن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول لأقوام: ( ليس من أمبر أمصيام في أمسفر ) - بإبدال اللام ميمًا - و يقول لآخرين: ( اليد المنطية خير من اليد المنطاة ) - بإبدال العين نونًا - لأن هذه و تلك هي الطريقة التي يتحدث بها هؤلاء و أولئك و إنما الغاية هي الإرشاد و الهداية .

أما السياسة عند أهل الصحوة الإسلامية فلا شك أنها من الدين لا تنفصل عنه و لا تنفصم , غايتهم فيها - و بها يتميزون -: ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) , لا يعارضون حبًا في معارضة و لا يصالحون من أجل المصالحة , المسيء عندهم مسيء حكم أم لم يحكم و المحسن كذلك .

و هم في ميدان العمل السياسي قوم أهل مبادرة , لا ينتظرون وقوع الحدث ليعلقوا عليه بل هم من يصنع الحدث الذي لن يكون إلا معروفًا أو إصلاحًا بين الناس , و هم عندما ينادون بتطبيق شرع الله و يطالبون حكام المسلمين بذلك يتبعون منهجًا مستبصرًا عبر عنه د. جعفر شيخ إدريس بقوله:"إن النهج السليم أن نرحّب بكل خطوة خير - ولو كانت من كافر - و أن نطالب كل فاعل خير بالمزيد حتى يدخل في شرائع الإسلام جميعًا . إنه من المشادة الفكرية للدين أن يرفع شعار إمّا الإسلام كله و إمّا تركه كله , و إنه من المشادة العملية للدين أن يحاول أقوام تطبيق هذا الشعر و جعله سلوكًا عمليًا و إنهم لمغلوبون إن هم فعلوا ذلك و لن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه".

الله نسأل أن يوفق لما فيه الخير و الرشاد , و أن يهيىء لهذه الأمة صحوة إسلامية ماضية البصيرة واضحة المنهج .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت