فهرس الكتاب

الصفحة 8643 من 27345

المحتويات

مدخل

إهمال العاطفة

الإغراق في العاطفة

الصورة الأولى

الصورة الثانية: كون العاطفة هي المحرك للعمل

الصورة الثالثة: العلاقات العاطفية

الصورة الرابعة: التربية العاطفية

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد ...

مدخل

حديثنا هذه المرة حديث ذو شقين: ـ

حديث حول الإهمال، وحديث حول الإغراق .

وقبل أن ندخل في موضوعنا، لابد لنا أن نقف وقفة سريعة عجلى حول ما قاله بعض أئمة اللغة حول معنى هذا المصطلح الذي شاع حول حديثنا وصار على لسان الصغير والكبير .

يقول ابن فارس"العَطفُ أصل صحيح، يدل على انثناءٍ واعوجَاج، يُقال عَطفتُ الشَيء إذا أَمَلتَه، وانعَطَفَ الشَيءُ إذا انعاَج، وتَعطَّفَ بالرحمة تعطُّفا، والرجل يَعطِفُ الوسادة يُثنيها، ويقال للجانبين العطفَان".

وقال في اللسان"وتَعطَّف عليه أي وصلَه وبرَّه، وتَعطَّف على رَحِمِه رقَّ لها، والعَاطِفَة الرحِم صفة غالية، ورجل عَاطِف وعَطَوف عائد بِفَضْله حَسَن الخُلق".

قال الليث"العَطَّاف الرجل الحَسَن الخُلُق العَطُوف على الناس بِفَضلِه وعَطَفتُ عليه اَشْفَقْتُ".

وهكذا نرى أن"المعنى اللغوي"لا يبتعد كثيرًا عما يُطلق عليه بالمصطلح المعاصر"العاطفة"وإن كانت أخذت مدًى أبعد من ذلك .

فحين تُطلق العاطفة فإنها"تطلق على تلك المشاعر المتدفقة السيَّالة التي تدفع الإنسان لاتخاذ مواقف من القبول والرفض، أو الحب أو الكره، تُطلق على تلك الحماسة التي تتوقَّد في نفس صاحبها، لقبول هذا العمل أو رفضه".

وصار الحديث كثيرًا حول العاطفة حديث الرفض، وحديث الانتقاد، فصار يكفي أن تجرح فلانًا من الناس أن تصفه بأنه"صاحب عاطفة"أو بأنه"صاحب حماس"أو كما يُقال"متحمِّس"، صارت كلمة جرح مطلقًا، وهذا يعني أن فاقد العاطفة وفاقد الحماس هو الرجل الأولى بالتعديل .

إننا ومع شعورنا"بإغراق"بل ومزيد من الإغراق في العاطفة ومع شعورنا بأن ثمَّة مواقف تدفع إليها العواطف كثيرًا لابد أن نحجِّمها ونحُد منها، إننا مع ذلك ينبغي ألاَّ نهمل دور العاطفة وألاَّ نقع في خطيئة الإهمال لها .

إهمال العاطفة

إن الدعوة إلى إهمال العاطفة كما قلنا، دعوة بحاجة إلى مراجعة وإلى إعادة النظر لأمور منها:

أولًا: أن العاطفة خلقها الله في الإنسان أصلًا، فقد خلق الله الإنسان يحمل مشاعر وعواطف من الحب والكره، والقبول والرفض والحماس .

فالدعوة إلى إلغائها دعوة إلى تغيير خلق الله، والدعوة إلى إلغائها أنها خُلقت عبثًا، وحاشى لله عز وجل أن يكون في خلقه عبث، فهو سبحانه ما ركَّبَ هذه العاطفة في نفس الإنسان إلا لحكمة، ولمصلحة لابد أن تتحقق من ورائها .

ثانيًا: يتفق العقلاء من الناس على وصف فاقد العاطفة بأنه رجل شاذ؛ فالرجل الذي لا تتحرك مشاعره، فلا يرقُّ قلبه لمشهد يثير الرقة والعطف، ولا يملك مشاعر الحب تجاه الآخرين أو مشاعر الرفض تجاه من يُرفَض، الرجل الذي لا يمكن أن تتوقَّد في قلبه حماسة أيًّا كان الموقف، لاشك أنه رجل شاذ فاقد للإحساس والعواطف .

بل إن الناس يرون أن الرجل الذي لا يحس بالجمال، ولايتذوق الجمال في هذه الدنيا، رجل شاذ، فهو وصف مخالف للفطرة السوية، ولهذا ( حين جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورآه يقبِّل صغيرًا، قال:تقبِّلون صغاركم ؟! قال صلى الله عليه وسلم"أوأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة ؟") .

إنه رجل شاذ بعواطفه، إنه رجل كما قال صلى الله عليه وسلم:"قد نُزعت من قلبه الرحمة"فصار تصرفه وصار سلوكه، سلوكًا غير مرضيٍّ، وسلوكًا مرفوضًا، يستنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الصحابي رضوان الله عليه، أن لا يملك في قلبه الرحمة، والرقة والعاطفة تجاه هؤلاء الصبية الصغار، فصار لا يُقبِّل أحدًا منهم .

ثالثًا: حين نقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نجد مواقف شتى تدل على هذا المعنى وسواءً سميناها عاطفةً أو لم نسمها كذلك فلا مُشاحة في الإصطلاح، ولا يجوز أبدًا أن نقيم جدلًا وحربًا حول المصطلحات والألفاظ، سمها ما شئت المهم إنها تعني الذي نريد، وإن اصطلحنا نحن على تسميتها بالعاطفة فإن هذا لايعني أن وصف العاطفة لفظ تهمة أصلًا ولفظ جرح، يتردد المرء من أن يصف به فلانًا من الناس فضلًا أن يصف به محمدًا صلى الله عليه وسلم .

وإن اخترت أن تبحث له عن لفظ غير هذا فأنت وما تريد لكنا نحن نريد المعنى ولسنا نقيم جدلًا حول هذا المصطلح وحول هذا اللفظ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت